مشهدية شعرية وغنائية أُقيمت مساء الجمعة في 15 أيار الجاري على "مسرح بيار أبو خاطر" في "جامعة القديس يوسف في بيروت"، إحياءً لإرث الشاعر الراحل موريس عواد (1934 - 2018)، استعادت اسمه مجددًا من الذاكرة بوصفه أكثر من شاعر كتب باللهجة اللبنانية، إنما كصاحب مشروع ثقافي وفكري متكامل ارتبط بترسيخ ما كان يسمّيها "اللّغا اللبنانيي" في زمنٍ كانت فيه الكتابة بالمحكية تُعدّ خروجًا عن السائد والمعتمد ثقافيًا.
الفعالية التي نُظّمت على اسم موريس عواد جاءت في سياق إعادة قراءة تجربته من زاوية حيّة ومسموعة، على ما قال لـ "نداء الوطن" معدّ الأمسية الدكتور ديزيريه سقّال، عن طريق تقديم مقاطع مختارة من عدد من دواوين عواد الشعرية ونصوصه بصيغة أدائية أعادت إحياء حضورها على الخشبة. هذه المشهدية أتت كثمرة تعاون أول بين "جمعية تجاوز" الثقافية و"كرسي موريس عواد" في "معهد الآداب الشرقية" التابع لـ "جامعة القديس يوسف في بيروت"، قامت على تقديم باقة مختارات شعرية من نظمه قرأها جماعيًا على الخشبة عدد من المؤدّين، في تجربة جمعت بين تعدّد الأصوات وتنوّع الإيقاع في النص الواحد.
لم تقتصر الأمسية على القراءة الشعرية التقليدية، بل تداخلت مع بُعد موسيقي حيّ رافق الأداء، ما منح النصوص بُعدًا سمعيًا إضافيًا حوّل العرض إلى مساحة فنية متكاملة تقاطعت فيها الكلمة مع الموسيقى.
مشروع سبق زمنه
في سياقٍ موازٍ، يلفت المدير التنفيذي لـ "مؤسسة موريس عواد" ملكار خوري، في حديثه إلى "نداء الوطن"، إلى أنّ والده موريس عواد لم يكن يتعامل مع "اللّغا اللبنانيي" بوصفها محكية يومية أو وسيلة تخاطب عفوية فقط، بل كلغة متكاملة العناصر، لها بنيتها وقواعدها وأساليبها التعبيرية الخاصة، تمامًا كأي لغة قائمة في العالم.
ويوضح خوري في هذا الإطار أنّ هذا الطرح، الذي بدا في ستينات وسبعينات القرن الماضي خارجًا عن السياق الثقافي السائد، عاد اليوم ليأخذ بُعدًا مختلفًا مع التحوّلات التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بات الناس يكتبون ويتواصلون بالطريقة نفسها التي يتحدثون بها، بعيدًا عن الالتزام الصارم باللغة الفصحى. ورغم الجدل الذي أحاط بمشروع عواد لسنوات طويلة، يؤكد خوري أنّ الراحل لم يطرح نفسه يومًا في مواجهة اللغة العربية الفصحى أو في موقع الساعي إلى إلغائها. بالنسبة إليه، اللغات لا تُمحى بقرار، بل تختفي فقط عندما يتوقف الناس عن استخدامها. لذلك تمحورت معركته حول الاعتراف بـ "اللّغا اللبنانيي"، لا حول محاربة لغة أخرى.
ورغم ارتباط اسم موريس عواد بالدفاع عن "اللغة اللبنانية"، لم يتعامل مع نفسه باعتباره "مخترعًا" لها أو أول من كتب بها، بل كان يرى نفسه امتدادًا لمسار سبقه إليه آخرون وسيستمرّ بعده. لكنّ مساهمته الأبرز تمثلت في حجم المشروع الأدبي الذي تركه. فقد نشر نحو 56 كتابًا توزعت بين الشعر، والنثر، والمسرح، والقصص، واللاهوت، والنقد الأدبي، والمقالات الفكرية والسياسية. وكان الهدف الأساسي من هذا التنوع إثبات أنّ "اللغة اللبنانية" ليست عاجزة عن حمل المضامين الفكرية والثقافية العميقة، بل قادرة على التعبير عن الأدب والفلسفة والغزل والتاريخ والسياسة والفن واللاهوت، وسائر تفاصيل الحياة اليومية والإنسانية.
"اللّغا اللبنانيي" في الإعلام
من جهة أخرى، يشير ملكار خوري إلى أنّ التحوّل الأكبر الذي شهدته "اللّغا اللبنانيي" ظهر تدريجيًا في الإعلام والإعلانات. ففي العقود الماضية، كانت اللغة الفصحى تكاد تحتكر الإذاعة والتلفزيون، في وقت كان استخدام "اللبناني" في البرامج أو النصوص الإعلامية محدودًا جدًا. لكن هذا الواقع بدأ يتغيّر مع توسّع قطاع الإعلانات، الذي لعب دورًا أساسيًا في إدخال "اللغة اللبنانية" إلى الفضاء العام، عبر اللوحات الدعائية والرسائل التجارية التي خاطبت الناس بلغتهم اليومية. ثم جاءت البرامج الإذاعية والحوارية لتكرّس هذا التحول بشكل أوضح. وفي هذا السياق، يُسجَّل لموريس عواد كونه من أوائل الذين نقلوا "اللّغا اللبنانيي" إلى الإعلام المسموع بشكل مباشر، إذ اعتمدها عام 1976 في برنامج قدّمه من إذاعة "صوت لبنان"، في خطوة اعتُبرت يومها جريئة وغير مألوفة. وقد وثّقت مذكراته افتتاحه البث بعبارة أصبحت لاحقًا جزءًا من ذاكرة مشروعه الثقافي: "هون موريس عوّاد، صوت لبنان".
لكن رغم الانتشار المتزايد لـ "اللّغة اللبنانية" في الإعلام والحياة اليومية، بقيت معركة الاعتراف الرسمي بها من أبرز التحديات التي واجهت مشروع موريس عواد. فالدولة اللبنانية لم تمنح هذه اللغة أي حضور رسمي داخل المؤسسات أو القطاع التربوي، ما أبقى النقاش حولها في الإطار الثقافي والفكري أكثر منه في الإطار المؤسساتي. مع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا في الاهتمام بالأبحاث والنقاشات المرتبطة باللغة والهوية اللبنانية، وهو ما دفع الجهات المعنية بإرث موريس عواد إلى العمل على مشاريع جديدة مرتبطة بالتربية والثقافة، لا تزال قيد التطوير والتحضير.
أرشيف يكشف ثبات الرؤية
وفي سياق أرشفة أعمال الشاعر موريس عواد، يكشف ملكار خوري أنّ العمل على أرشيف والده الراحل أظهر جانبًا آخر من شخصيته الفكرية. فالمخطوطات والمذكرات التي تعود إلى مراحل مختلفة من حياته تُظهر استمرارية واضحة في مواقفه وأفكاره منذ ستينات القرن الماضي وحتى سنواته الأخيرة. الهوية اللبنانية، والانتماء، وتاريخ لبنان، بقيت محاور ثابتة في كتاباته، فيما ظهر التطور الأساسي في أسلوب التعبير الذي ازداد نضجًا وعمقًا مع الوقت.
أما بعد وفاة عواد، فعثرت أسرته على نصوص ومخطوطات غير مكتملة، بينها مشروع سيرة ذاتية كان يعيد كتابتها أكثر من مرة، قبل أن تُصدر الأسرة هذه السيرة في كتاب بعنوان "تلاتي وسبعين صبّاط وكحفة نعامي".
المؤسسة والكرسي الأكاديمي
اليوم، يتوزع العمل على إرث موريس عواد بين مسارَين متكاملَين: الأول أكاديمي يتمثل في "كرسي موريس عواد" في "جامعة القديس يوسف"، والذي أُطلق منذ نحو عام، ويهدف إلى دعم الأبحاث العلمية وأطروحات الدكتوراه المرتبطة بفكره ودوره الثقافي. أما المسار الثاني، فيتمثل في "مؤسسة موريس عواد" القائمة منذ نحو سبع سنوات، والتي تتولى الجانب الأرشيفي والتوثيقي من خلال جمع المخطوطات، وإعادة نشر الأعمال، والعمل على إحياء إنتاجه الأدبي والفكري وتقديمه للأجيال الجديدة.
هذا التعاون بين "المؤسسة" و"الكرسي الأكاديمي" يأتي كجزء من محاولة أوسع للحفاظ على الإرث الثقافي للراحل موريس عواد، ليس فقط كشاعر، بل كصاحب مشروع فكري لا يزال حاضرًا في النقاش اللبناني حول اللغة والهوية والثقافة.







