مايز عبيد

بين زحمة الأنشطة وغياب الإنماء: أين خطة إنقاذ طرابلس؟

3 دقائق للقراءة

مع كل حكومة جديدة تأتي، يعود الحديث عن خطتين متلازمتين للمدينة، أمنية وإنمائية. تُنفَّذ الأولى سريعًا، ولو لأيام، فيما تبقى الثانية حبيسة التصريحات والوعود، من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي.

ولعلّ المشهد القائم اليوم في معرض رشيد كرامي الدولي يختصر هذه المعادلة المزمنة التي تعيشها المدينة: حركة توحي بالحياة، لكن من دون مقومات نهوض فعلي. فبين النشاطات المتفرقة والمبادرات الموسمية، يبقى السؤال نفسه مطروحًا: أين الخطة الإنمائية التي طال انتظارها؟

تشهد أروقة معرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس، في الآونة الأخيرة، حركة لافتة من النشاطات التي تنظمها جمعيات أهلية وشخصيات اجتماعية، بين معارض ثقافية ولقاءات ومبادرات محلية متفرقة. هذا الزخم قد يعطي انطباعًا سريعًا بأن المدينة بدأت تستعيد عافيتها، وأن الحياة عادت تدريجيًا إلى أحد أبرز معالمها العمرانية في شمال لبنان.

لكن قراءة أعمق للواقع تكشف أن هذا المشهد، رغم أهميته الرمزية، لا يمكن اعتباره مؤشرًا على تعاف اقتصادي أو اجتماعي حقيقي في طرابلس. فالمعرض نفسه، الذي يُفترض أن يكون منصة إنتاجية واقتصادية، بات يعتمد إلى حدّ كبير على هذه الأنشطة الموسمية والآنية لتأمين حركته وتمويل نفسه، في ظل غياب رؤية استثمارية دائمة وميزانية حكومية تعيدان إليه دوره الطبيعي كمركز جذب اقتصادي وتنموي.

المشكلة لا تكمن في هذه الفعاليات بحد ذاتها، بل في كونها لا تُترجم إلى فرص عمل مستدامة، ولا إلى دورة اقتصادية قادرة على امتصاص جزء من البطالة المرتفعة في المدينة. فهي تبقى نشاطات ظرفية تنتهي بانتهاء أيامها، دون أن تترك أثرًا إنتاجيًا حقيقيًا في سوق العمل المحلي.

وفي السياق نفسه، قد يُنظر إلى الحركة الناشطة في المطاعم والمقاهي في طرابلس، خصوصًا خلال عطلات نهاية الأسبوع أو في بعض المواسم، على أنها دليل عافية وحيوية اقتصادية. غير أن هذا المؤشر، رغم أهميته الاجتماعية، لا يعكس بالضرورة تحسنًا فعليًا في بنية الاقتصاد المحلي. فهذه الحركة تبقى ضمن قطاع خدماتي واستهلاكي سريع التبدل، ولا تؤدي وحدها إلى خلق فرص عمل مستدامة أو إلى تغيير جذري في نسب البطالة، بل قد تعكس في أحيان كثيرة تحسنًا محدودًا في أنماط الاستهلاك لا أكثر.

طرابلس، كما شمال لبنان عمومًا، لا تحتاج إلى مواسم نشاط بقدر ما تحتاج إلى مشاريع بنيوية واضحة المعالم، تبدأ بخطة حكومية شاملة تضع المدينة على خريطة الاقتصاد الوطني من جديد. فالمدينة التي تعاني نسب بطالة مرتفعة، وتراجعًا مستمرًا في الفرص الإنتاجية، لم تعد تحتمل مزيدًا من الوعود المؤجلة أو المعالجات الظرفية.

وفي هذا السياق، يبرز مجددًا ملف السكة الحديدية بين طرابلس والعبودية، وربطه بإعادة تشغيل مطار القليعات في عكار، كجزء من رؤية متكاملة تربط الشمال ببعضه وبباقي المناطق اللبنانية. غير أن هذا الطرح، رغم تكراره في الخطابات السياسية، ما زال حتى اليوم في إطار الوعود والنقاشات، من دون أي انطلاق فعلي نحو التنفيذ.

وكم من حجر أساس وُضع في عكار وطرابلس والمنية خلال السنوات الماضية، بقي شاهدًا على مشاريع لم تكتمل، وعلى فرص تنمية مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

بين النشاط الرمزي والتنمية الفعلية مسافة طويلة. وحدها المشاريع الإنتاجية، لا المناسبات، هي التي تعيد الحياة إلى المدن. أما غير ذلك، فسيبقى مجرد حركة على سطح واقع اقتصادي جامد.