الدكتور سايد حرقص

​عندما يُدار العالم بعقلية "الصفقات"

4 دقائق للقراءة

​حين ولج الرئيس الأميركي أبواب البيت الأبيض، لم يدخل بصفته رجل دولة تقليدياً صُقلت شخصيته في أروقة المؤسسات السياسية أو الأكاديميات العسكرية، بل دخله "كمقاول" قادم من عالم المنافسة الاقتصادية الشرسة؛ ذاك العالم الذي لا يعترف بالضعفاء، ولا يقيم وزناً لتفاوضٍ لا يرتكز على مخالب القوة وأدوات الضغط. ومنذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أنه يسعى لإعادة صياغة السياسة الدولية وفق العقلية ذاتها التي أدار بها إمبراطوريته المالية لعقود.

​في كتابه الشهير "فن الصفقات" (The Art of the Deal)، يختصر ترمب فلسفته بعبارة تفسّر جوهر سلوكه السياسي المتمرد: "أحياناً، أفضل وسيلة للتفاوض هي خلق حالة من عدم اليقين". تحولت هذه المقولة إلى نهج سياسي متكامل؛ فترمب لا يميل إلى الدبلوماسية الهادئة و«النفس الطويل» اللذين تميّز بهما كيسنجر، بل يعتمد استراتيجية «إرباك الخصم» ورفع وتيرة الضغط إلى حدّها الأقصى. وفي اللحظة التي يخشى فيها الجميع من الانفجار، يفتح باب التفاوض من موقع المتحكّم الوحيد بإيقاع الأزمة.

​في كتابه الآخر "فكر بشكل كبير وسدد بقوة" (Think Big and Kick Ass)، يرتكز ترمب على مبدأ أساسي: "إذا كنت ستفكر، ففكّر على نطاق واسع". هذا المبدأ يفسر ولعه بالقرارات الصادمة والاستعراض السياسي والإعلامي، سواء في الداخل الأميركي أو على المسرح الدولي، حيث يرى أن الصدمة هي أقصر الطرق لتحقيق المكاسب الكبرى.

​تجلت هذه العقلية بوضوح في التعامل مع الملف الإيراني. فقد رأى ترمب أن الاتفاق النووي الذي أبرمه سلفه أوباما لم يكن سوى "تنازل مجاني" منح طهران الأموال والنفوذ دون كبح طموحاتها الإقليمية والنووية والصاروخية. وبناءً عليه، انسحب من الاتفاق متبنياً سياسة "الضغط الأقصى" لخنق الاقتصاد الإيراني وعزل طهران مالياً وعسكرياً.

​ومع ذلك، يظل لافتاً أن ترمب لم يضع الحرب الشاملة هدفاً له. ففي أدبياته وتصريحاته، يظهر قناعة راسخة بأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على محاصرة الخصم وإجباره على التنازل، لا في الانزلاق نحو استنزاف عسكري. وحتى بعد بلوغ التصعيد ذروته، ظل يترك الباب موارباً للحوار، مؤكداً استعداده للتفاوض. كانت الرسالة واضحة: "أدخل دائماً إلى الصفقة وأنا مستعد للانسحاب"؛ فالتهديد والمواجهة ليسا سوى أدوات لتحسين شروط "الصفقة الكبرى".

​لم يختلف النهج مع الصين، وإن تبدلت الأدوات. رأى ترمب أن بكين استغلت «سذاجة» سياسات الانفتاح الأميركية منذ تسعينيات القرن الماضي؛ حيث ركزت واشنطن جهودها على الحد من تهديد اليورو الأوروبي لعرش الدولار في سوق التجارة العالمية، مما أتاح للصين مساحة للنمو الصامت دون رقابة، وأدى في النهاية إلى ضياع الوظائف وتهجير المصانع من السوق الأميركية. وبناءً على ذلك، استخدم الرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية ليس لحماية الاقتصاد فحسب، بل لفرض إعادة تفاوض شاملة لموازين القوى.

​في عالم ترمب، لا توجد صداقات دائمة، بل "مصالح" يجب انتزاعها. وهو ما دفع المراقبين السياسيين التقليديين إلى الاعتقاد بأن سياسته متخبّطة وغير مدروسة؛ إذ إنّه، من جهة، يهدّد بالحرب ثم يدعو إلى الحوار بحفاوة، ومن جهة ثانية يصعّد إعلامياً ثم يفتح باب التسويات الكبرى، ومن جهة ثالثة يهاجم الخصوم بعنف ثم يتحدث عن «كيمياء مذهلة» تربطه بهم.

​لقد أحدث اسلوب الرئيس ترمب تحولاً عميقاً في إدارة الصراعات الدولية، حيث استبدل التحالفات التقليدية بمنطق "مصالح السوق"، وحوّل الاقتصاد إلى سلاح استراتيجي وإستعمل القوة العسكرية كعصا لتحقيق الصفقات التاريخية. بالنسبة له، العالم ليس ساحة للدبلوماسية والمجاملات، بل هو "طاولة مفاوضات ضخمة" لا تحكمها المبادئ، بل تحكمها لغة الأرقام وموازين الربح والخسارة.

هو لم يسعَ لانتصار سياسي بالمعنى التقليدي، بل يسعى دوماً لفرض "صفقة جديدة" تعيد تعريف مكانة أمريكا في العالم وفق رؤية "التاجر الناجح" الذي لا يقبل بأقل من الربح الكامل.