ليست "دولة 6 شباط" مجرد استعارة سياسية، بل هي اسم آخر للانقلاب الطويل على الشرعية اللبنانية منذ 6 شباط 1984، يوم أُخرجت الدولة من بيروت بقوة السلاح، وبدأ زمن السلطة التي تتكلم باسم المؤسسات، فيما تستقوي عليها بالميليشيا. هي المنظومة وشبكة الحكم التي نشأت في ظل الاحتلال السوري والآن الإيراني، والتي تمددت داخل الدولة حتى صارت قادرة على تعطيلها من الداخل، كلما اقترب لبنان من فرصة استعادة قراره.
هذه الدولة لا تحكم بمنطق السيادة، بل بمنطق المقايضة الدائمة: الأمن مقابل النفوذ، والحرب مقابل البقاء، والدم مقابل السلطة. لذلك، كلما لاح احتمال لوقف النار في الجنوب، وعودة النازحين إلى قراهم، وفتح نافذة تفاوضية تخرج لبنان من جحيم الاستنزاف، سارعت هذه المنظومة إلى رفع السقوف، وتكثيف الشروط، وتحويل الهدنة من فرصة إنقاذ وطنية إلى ورقة ابتزاز إقليمية.
آخر فصول هذه اللعبة هو تسريب الكلام عن أنّ "الحزب الإيراني" مستعد لوقف إطلاق النار إذا التزمت إسرائيل بذلك. في الظاهر، يبدو الكلام حرصًا على وقف الحرب. أما في جوهره، فهو محاولة جديدة لتعويم سلاح فقد مبرراته اللبنانية، وربط مصير الجنوب مجددًا بحسابات طهران. فالمشكلة ليست في وقف النار، بل في الجهة التي تريد احتكار قرار الحرب والسلم، ثم تقديم نفسها وسيطًا بين اللبنانيين والمأساة التي صنعتها.
إنها لعبة تذاكٍ برائحة الدم. لا مكان فيها للمهجّرين، ولا للقرى المدمّرة، ولا للعائلات التي خسرت بيوتها وأرزاقها. الناس في الجنوب مادة تفاوض، والدم اللبناني رصيد سياسي، والخراب وسيلة لإعادة تثبيت معادلة السلاح فوق الدولة.
منذ 6 شباط 1984، لم تتغير القاعدة كثيرًا: حين تقترب الدولة من النهوض، تُستدعى الميليشيا. وحين يقترب لبنان من السلام، تُفتح دفاتر المحاور. وحين يطالب اللبنانيون بالحياة، يجيبهم أهل السلطة بمنطق الحرب.
لذلك، ليست المعركة اليوم حول هدنة تقنية على الحدود، بل حول معنى لبنان نفسه: هل يكون دولة تقرر باسم شعبها، أم ساحة تُدار باسم إيران؟ وهل يكون الجنوب أرضًا لأهله، أم صندوق بريد للحرس الثوري؟ هنا تنكشف "دولة 6 شباط" كما هي: لا تريد وقف الدم، بل إدارته. ولا تريد السلام، بل استعمال احتماله لإطالة عمر سلطتها.