جاد الاخوي

خطاب نزع الشرعية عن الدولة: تفكيك سياسي لخطاب الممانعة

5 دقائق للقراءة

من يقرأ مقال إبراهيم الأمين الأخير يكتشف سريعاً أنه لا يقدّم قراءة سياسية بقدر ما يطلق بياناً أيديولوجياً غاضباً ضد أي محاولة لإعادة الاعتبار إلى الدولة اللبنانية. فالنص، بكل ما يحمله من تخوين وسخرية وإيحاءات شخصية، لا يناقش أداء رئيس الجمهورية جوزيف عون أو رئيس الحكومة نواف سلام ضمن معايير دستورية أو سياسية، بل يحاكمهما وفق معيار واحد فقط: مدى خضوعهما الكامل لمشروع حزب الله ومحور ايران. وكل ما عدا ذلك، بالنسبة لهذا الخطاب، خيانة أو عمالة أو “ضحالة”.

المفارقة أن هذا "الصحافي" يتحدث عن “الارتهان للخارج” وكأن لبنان كان يعيش قبل اليوم حالة سيادة مكتملة. والحقيقة أن الخطاب الذي يمثله هو نفسه قام طوال عقود على ربط لبنان عضوياً بالمحور الإيراني سياسياً وعسكرياً وأمنياً وإعلامياً. فجأة يصبح أي انفتاح على واشنطن أو الرياض خضوعاً واستسلاماً، بينما يتحول الارتباط بطهران إلى فعل مقاومة وسيادة. إنها ازدواجية صارخة لا يمكن تبريرها بمنطق الدولة، بل فقط بمنطق العقيدة الحزبية المغلقة.

هو لا يهاجم جوزاف عون لأنه “ضعيف” أو “سطحي” كما يحاول تصويره، بل لأنه يمثل، بالنسبة إليه، احتمال عودة فكرة الدولة اللبنانية إلى الواجهة. وهذا ما يرعب خطاب الممانعة اليوم. فالدولة تعني شيئاً بسيطاً وخطيراً في آن: أن يكون قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية لا بيد تنظيم عسكري حزبي. وتعني أيضاً أن يكون الجيش هو القوة الوحيدة المسلحة، وأن تخضع السياسة الخارجية لمصلحة لبنان لا لمصالح المحاور الإقليمية.

هذا تحديداً ما يرفضه الخطاب الذي يقدّمه الأمين. لذلك نراه يهاجم أي كلام عن حصرية السلاح، ويصوّر أي محاولة لضبط القرار العسكري وكأنها مؤامرة أميركية ـ إسرائيلية. وكأن لبنان لا يحق له أن يكون دولة طبيعية كبقية دول العالم، بل يجب أن يبقى ساحة دائمة للحروب المفتوحة والمواجهات الإقليمية.

لكن السؤال الذي يتجنّب هذا الخطاب الإجابة عنه هو: ماذا قدّمت هذه “المقاومة” للبنان بعد عقود من السيطرة السياسية والعسكرية؟

هل بنت دولة قوية؟

هل حمت الاقتصاد؟

هل منعت الانهيار؟

هل أوقفت الهجرة الجماعية؟

هل حمت الجنوب من الدمار المتكرر؟

هل أبقت لبنان ضمن محيطه العربي الطبيعي؟

الجواب يعرفه اللبنانيون جيداً.

بلد منهار مالياً، معزول عربياً، مفكك المؤسسات، وشعب يعيش بين الخوف والفقر والهجرة. ومع ذلك، يخرج علينا منظّرو الممانعة ليتحدثوا عن “السيادة” فيما القرار اللبناني بات رهينة حسابات إقليمية لا علاقة لها بمصلحة اللبنانيين.

الأخطر في خطاب هذا "الصحافي" أنه يحتكر الوطنية لنفسه ولمشروعه. فهو لا يعترف أصلاً بإمكانية وجود لبناني وطني يريد قيام دولة فعلية، أو يرفض تحويل بلده إلى منصة حروب إقليمية. في قاموس هذه المدرسة، كل من يطالب بحصرية السلاح يصبح تابعاً للسفارات، وكل من يريد تسوية أو استقراراً يتحول إلى متآمر. أما التنظيم المسلح الخارج عن الدولة، فهو وحده الذي يمتلك حق تعريف الوطنية والمقاومة والسيادة.

هذه ليست لغة دولة، بل لغة أنظمة شمولية تعتبر نفسها فوق المجتمع وفوق المؤسسات وفوق الدستور. ولهذا السبب تبدو مقالاته أقرب إلى بيانات تعبئة حزبية منها إلى مقالات سياسية أو صحافية. فالرجل لا يناقش الوقائع بقدر ما يحاول صناعة عدو داخلي دائم: رئيس، حكومة، قاضٍ، صحافي، ناشط، أو أي شخصية تجرؤ على القول إن لبنان يحتاج إلى دولة لا إلى دويلة.

حتى الهجوم الشخصي على “عقل” جوزيف عون يكشف أزمة هذا الخطاب. عندما يعجز عن إسقاط خصومه بالحجة السياسية، يلجأ إلى التحقير الشخصي والتشكيك بقدراتهم الفكرية. لكن اللبنانيين تعبوا من هذا الأسلوب. تعبوا من تحويل كل نقاش سياسي إلى معركة تخوين، ومن التعامل مع أي اختلاف وكأنه خيانة وطنية.

والأهم أن اللبنانيين بدأوا يدركون حقيقة أساسية حاول خطاب الممانعة إخفاءها لسنوات: لا يمكن بناء وطن بوجود جيشين وقرارين وسيادتين. لا يمكن لدولة أن تستمر إذا كان قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها. ولا يمكن لأي اقتصاد أو استقرار أو استثمار أن يعيش في ظل بلد مفتوح دائماً على احتمالات الحرب.

لهذا السبب يبدو غضبه مفهوماً. فالمشكلة بالنسبة إليه ليست جوزيف عون كشخص، بل التحول التدريجي في المزاج اللبناني. هناك شريحة واسعة من اللبنانيين لم تعد تريد العيش داخل جمهورية السلاح والخوف والتعبئة الدائمة. هناك جيل كامل يريد دولة طبيعية، وعلاقات طبيعية مع العالم العربي والمجتمع الدولي، وجيشاً واحداً، وقانوناً واحداً، وسلطة واحدة.

وهذا ما يخيف منظّري الممانعة أكثر من أي شيء آخر.

لأن سقوط فكرة “الدولة الممنوعة” يعني سقوط المبرر الأساسي لبقاء السلاح خارج الشرعية. ويعني أيضاً أن اللبنانيين بدأوا يطرحون السؤال الذي حاول هذا الخطاب قمعه طويلاً: إذا كانت المقاومة قد أصبحت أقوى من الدولة، فمن يحمي لبنان من نتائج هذه القوة حين تتحول الدولة نفسها إلى رهينة؟

في النهاية، قد ينجح إبراهيم الأمين في رفع منسوب التعبئة داخل بيئته السياسية، لكنه يفشل في إقناع اللبنانيين الذين يعيشون يومياً نتائج هذا المشروع. فالشعارات لم تعد تكفي، والخطب العقائدية لم تعد تطعم شعباً جائعاً أو تبني دولة منهارة. ولبنان، مهما حاول البعض منعه، سيعود عاجلاً أم آجلاً إلى الحقيقة التي هرب منها طويلاً: لا خلاص إلا بالدولة، ولا مستقبل إلا بقيام سلطة شرعية واحدة فوق الجميع.