زينة باسيل

أزمة نصب "القلم" في نيويورك... جهود رسمية وثقافية لتصحيح الخطأ

5 دقائق للقراءة

في قلب مانهاتن، حيث تتقاطع حركة المال والتاريخ بين Wall Street وOne World Trade Center، ينتصب مجسّم أصفر لافت يحمل عنوان "القلم: شعراء في حديقة"، شاهدًا على ذاكرة أدبية صنعتها هجرة مشرقية قاسية، وحملتها أقلام مهاجرين نقشوا أسماءهم في الوجدان الثقافي العالمي. ملايين السياح سيمرّون أمام هذا العمل الفني في واحدة من أكثر بقاع نيويورك ازدحامًا، متوقفين أمام حكاية أدباء معظمهم من اللبنانيين، عاشوا في حي "سوريا الصغيرة" خلال الحقبة العثمانية، يوم كانت الهجرة إلى العالم الجديد مغامرة وجودية محفوفة بالمشقة والاقتلاع.

القصة بدأت عام 2014، حين قررت جمعية Washington Street Historical Society، برئاسة المؤرخة ليندا جاكوبس، إطلاق مشروع لتكريم شعراء "الرابطة القلمية" التي تأسست في نيويورك عام 1920، وكان أعضاؤها من أبرز وجوه النهضة الأدبية العربية في المهجر. هؤلاء الشعراء عاشوا في تلك المنطقة التي احتضنت أحلامهم الأولى ومعاناتهم اليومية، فكان المشروع بمثابة إعادة إحياء لذاكرة الأدباء العرب في مانهاتن.


البداية

عام 2014، أُطلقت مسابقة فنية عالمية لتصميم المجسّم، شارك فيها عدد كبير من الفنانين، بينهم فنانون لبنانيون، قبل أن تفوز الفنانة سارة وادودو بالتصميم النهائي، الذي أُنجز بكلفة بلغت مليونًا وستمئة ألف دولار. حمل العمل عنوان "Al Qalam: Poets in the Park"، وجاء تكريمًا لأسماء أدبية صنعت جزءًا أساسيًا من تاريخ الأدب العربي الحديث، وفي مقدمتها جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي.

غير أنّ لحظة الكشف عن اللوحة التعريفية الخاصة بالمجسّم أثارت جدلا واسعًا، بعدما وُصف هؤلاء الأدباء بأنهم "سوريون"، استنادًا إلى التوصيف الجغرافي السائد إبّان العهد العثماني، حين كانت بلاد الشام تُعرف تاريخيًا بـ "سوريا الكبرى". وما إن وصلت أصداء الخبر إلى بيروت حتى ارتفعت الاعتراضات، باعتبار أنّ الأمر يمسّ الهوية الثقافية والأدبية للبنان، ويشوّه حقيقة انتماء هؤلاء الكبار الذين حملوا جذورهم اللبنانية إلى العالم.

على الأثر، تحرّكت وزارة الثقافة اللبنانية، وأُرسل كتاب اعتراض إلى وزارة الخارجية لمتابعة القضية عبر القنوات الدبلوماسية المختصة. كما أعطى وزير الخارجية يوسف رجّي توجيهاته إلى سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض، والقنصل العام في نيويورك طلال ضاهر، لإجراء الاتصالات اللازمة مع الجهات المعنية بهدف تصحيح المعلومات الواردة على اللوحة بما ينسجم مع الحقائق التاريخية والثقافية والجغرافية المعروفة.

ولم يقتصر التحرّك على الجهات الرسمية، إذ دخلت لجنة جبران خليل جبران، برئاسة فادي رحمة، على خط المتابعة، فأرسلت بدورها كتاب اعتراض إلى وزارة الخارجية، محذّرة من خطورة المساس بالإرث الثقافي اللبناني ومحاولة طمس هوية أدباء شكّلوا ركنًا أساسيًا من نهضة الأدب العربي الحديث. 

وبحسب معلومات خاصة بـ "نداء الوطن"، فإنّ جمعية Washington Street Historical Society تجاوبت سريعًا مع الاعتراضات اللبنانية، بعدما تلقت رسائل وشروحات موثّقة تتضمّن إثباتات تاريخية واضحة. وعلى الفور، طلبت الجمعية من بلدية نيويورك إزالة اللوحة موقتًا، بانتظار اعتماد نص جديد بالتنسيق مع وزارة الثقافة اللبنانية.

الجهة الأميركية المعنية شددت على أنّ استخدام توصيف "سوريين" جاء انطلاقًا من السياق التاريخي للمرحلة، فيما أكدت الجهات اللبنانية أنّ الانتماء الوطني والثقافي لهؤلاء الأدباء لا يقبل الالتباس، فهم لبنانيون حملوا لبنان معهم إلى العالم، وتركوا بصمتهم في الأدب والفكر الإنساني.

هكذا، أُعيد تصويب الرواية، بتضافر الجهود الرسمية والثقافية والدبلوماسية، وعادت أسماء جبران خليل جبران و ميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي إلى مكانها الطبيعي في الحديقة الأميركية. فالتاريخ الذي حفروه بالكلمة والإبداع، أقوى من أن يُحرَّف، وأبقى من أي التباس في توصيف أو لوحة.


البيان الموجّه من رئيس لجنة جبران الوطنية فادي رحمة إلى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي:

الموضوع: تصحيح توصيف الهويّة الوطنيّة لأدباء الرابطة القلميّة اللّبنانيين.

تحيّة وطنيّة وبعد،

نتوجّه إلى وزارتكم الموقّرة بصفتنا المولج الرسمي للحفاظ على إرث جبران خليل جبران لنطلب منكم

اتخاذ الإجراءات المناسبة، من أجل تصحيح المعلومات المغلوطة والخاصّة بأدبائنا اللبنانيين والمنسوب اليهم أنهم سوريون.

في الواقعة، إنّ بلدية نيويورك دشّنت مؤخرا˝ وبمبادرة قامت بها "جمعية شارع واشنطن التاريخيّة" نصب تذكاري تحت عنوان "القلم: شعراء في الحديقة العامّة" في "ساحة إليزابيت برغر" في منطقة مانهاتن. وورد على اللوحة التوضيحيّة المرافقة معلومات مغلوطة تضمّنت توصيف جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وأمين الريحاني، وميخائيل نعيمة، وهم من أعلام النهضة الأدبيّة المهجرية، بأنهم سوريون.

إنّ هذا التوصيف لا يتناسب وحقيقة إنتمائهم إلى متصرفية جبل لبنان وهويتهم اللبنانيّة التي عرفوا بها والتي تكلموا عنها في صلب كتاباتهم. أوليس جبران القائل "لو لم يكُن لبنانُ وطني، لاتَّخذْتُ لبنانَ وطني."

إنّ اعتماد توصيف تاريخي مغالط، في نصب ثقافي قائم اليوم وموجّه إلى الجمهور الأميركي والسيّاح والزّائرين، يؤدي إلى ترسيخ إنطباع خاطئ بشأن الهويّة الوطنيّة الحقيقيّة لهؤلاء المبدعين.

عليه، نأمل من وزارتكم الكريمة اتخاذ الإجراءات المناسبة، من أجل تصحيح هذا الخطأ، أو على الأقل إضافة توضيح رسمي يبيّن أن هؤلاء الأدباء هم من أعلام لبنان، حفاظًا على الحقيقة التاريخيّة وصونًا للهويّة الثقافية اللبنانيّة في المحافل الدوليّة.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتّقدير.