أثار إعلان رئيس الجمهورية قبوله مبدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل نقاشًا واسعًا حول مدى دستورية هذا الخيار وقانونيته، وحول إمكان اللجوء إليه في إطار أحكام الدستور اللبناني وقواعد القانون الدولي العام. وقد امتد هذا النقاش ليشمل تحديد الجهة الدستورية المختصة بالتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وبيان كيفية تشكيل الوفد المفاوض، ومدى جواز إخضاعه لمقتضيات التوزيع الطائفي والمحاصصة السياسية خلافًا لمبدأ الاختصاص والكفاءة وللنصوص الدستورية والقانونية المرعية الإجراء.
وتزامن ذلك مع حملة سياسية وإعلامية وقانونية شنّها ممثلو الجماعة المسلحة وحلفاؤهم داخل السلطة، تضمّنت اتهام رئيس الجمهورية بتجاوز صلاحياته الدستورية وصلاحيات رئيس مجلس النواب، والادعاء بأن المفاوضات الجارية تفتقر إلى أي أساس دستوري، فضلاً عن المطالبة بإخضاع تشكيل الوفد المفاوض لاعتبارات المحاصصة الطائفية والسياسية. وقد ترافق هذا السجال، في بعض الحالات، مع حملات من القدح والذم والتحقير والتهديد، بما يمسّ مقام رئاسة الجمهورية ويستهدف الدور الدستوري المناط بها.
ويبدو بوضوح أن جوهر هذا السجال لا يقتصر على خلاف سياسي ظرفي، بل يتصل مباشرة بتحديد الجهة الدستورية صاحبة الاختصاص الأصيل في التفاوض بشأن الاتفاقيات الدولية، وبمدى احترام مبدأ حصرية قرار الدولة في العلاقات الخارجية وفي مسائل الحرب والسلم، وبإمكان فتح مسار تفاوضي يهدف إلى إنهاء النزاعات المسلحة وإرساء ترتيبات قانونية تكفل أمن الدولة واستقرارها وفقًا لأحكام الدستور ومقتضيات المصلحة الوطنية العليا.
وقد حسم الدستور اللبناني هذه المسألة بصورة صريحة في المادة 52، التي تنص حرفيًا على ما يأتي:"يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة، والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب".
ويُستفاد من هذا النص أن الدستور منح رئيس الجمهورية اختصاصًا دستوريًا أصيلًا وحصريًا في التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بمعنى أن المبادرة إلى التفاوض وقيادته تدخلان في صلب صلاحياته الدستورية ولا يجوز لأي جهة أخرى أن تحل محله في ممارسة هذا الاختصاص لا رئيس مجلس النواب ولا أي سلطة أخرى. إلا أن هذه الصلاحية، رغم طابعها الحصري، ليست سلطة منفردة أو مطلقة، بل هي صلاحية مقيدة دستوريًا بوجوب ممارستها بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، كما أن المعاهدة أو الاتفاقية لا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء.
أما إذا كانت المعاهدة أو الاتفاقية تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة، أو كانت من المعاهدات التجارية، أو كانت من المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فإن إبرامها يقتضي، إضافة إلى موافقة مجلس الوزراء، موافقة مجلس النواب بصورة صريحة. ويُقصد بالمعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة تلك التي ترتب التزامات دائمة أو طويلة الأمد لا يمكن إنهاؤها بإرادة أحد الأطراف خلال مهلة سنوية عادية. ومن ثم، فإن حصرية اختصاص رئيس الجمهورية في التفاوض لا تعني الانفراد النهائي بإبرام المعاهدات، بل تعني أن رئيس الجمهورية هو المرجع الدستوري المختص أصلًا بمباشرة التفاوض ضمن آلية دستورية تشاركية ومتدرجة تشمل، بحسب طبيعة المعاهدة، رئيس الحكومة ومجلس الوزراء ومجلس النواب.
ومن زاوية القانون الدولي العام، لا يترتب على استعمال مصطلحي «المعاهدة» و«الاتفاقية» أي اختلاف في القوة الإلزامية أو في الطبيعة القانونية للالتزامات الناشئة عنهما. فوفق اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، ولا سيما المادة الثانية منها، يُقصد بالمعاهدة كل اتفاق دولي مكتوب بين الدول يخضع للقانون الدولي العام، أياً كانت تسميته الخاصة. ومؤدى عبارة «أياً كانت تسميته الخاصة» أن العبرة لا تكمن في الاسم الذي يُعطى للصك الدولي، بل في مضمون الالتزامات القانونية التي يرتبها.
ومع ذلك، يظل هناك فرق عملي واصطلاحي في الاستعمال. فمصطلح «المعاهدة» يُستخدم غالبًا للدلالة على اتفاق دولي ذي طابع سياسي أو استراتيجي أو تاريخي بالغ الأهمية، سواء كان ثنائيًا أو متعدد الأطراف، ويتناول مسائل أساسية مثل السلام والحدود والدفاع والتحالف. أما مصطلح «الاتفاقية» فيُستخدم عادةً للإشارة إلى صك دولي، غالبًا متعدد الأطراف، يضع قواعد قانونية عامة ومجردة تهدف إلى تنظيم مجال محدد من مجالات القانون الدولي. غير أن هذا التمييز يبقى وصفيًا وعمليًا فقط، ولا ينعكس على القيمة القانونية الملزمة، إذ إن كلا الصكين يتمتع بالقوة الإلزامية ذاتها متى استوفى شروط انعقاده ونفاذه وفق قواعد القانون الدولي العام.
وانطلاقًا من ذلك، تقتضي المعالجة القانونية والدستورية لهذه المسألة العودة إلى أحكام المادة 52 من الدستور اللبناني لتحليل نطاق صلاحيات رئيس الجمهورية في مجال التفاوض الدولي، وبيان حدودها وآليات ممارستها، وتوضيح الإجراءات الدستورية الواجب اتباعها في إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بما في ذلك إمكان إجراء مفاوضات مع اسرائيل للتوصل إلى معاهدة سلام أو اتفاقية ذات طابع أمني أو سياسي، متى احترمت الأصول الدستورية والقواعد الملزمة في القانون الدولي العام.
أولاً: في شرح موجز للمادة 52 من الدستور اللبناني
يُعد نص المادة 52 من الدستور اللبناني أحد أهم الأحكام الدستورية الناظمة للعلاقات الخارجية للدولة اللبنانية، إذ يحدد بصورة دقيقة الآلية الدستورية الواجب اتباعها في مجال التفاوض بشأن المعاهدات الدولية وإبرامها، ويكرّس في الوقت نفسه توزيعاً متوازناً للاختصاصات بين السلطات الدستورية المختصة. ويستفاد من هذا التنظيم أن الدستور لم يُسند سلطة إبرام المعاهدات الدولية إلى جهة واحدة، بل أخضعها لمسار دستوري مركّب تتداخل فيه صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء ومجلس النواب، بما يضمن تعدد مستويات الرقابة السياسية والدستورية على القرارات التي ترتب التزامات دولية على الدولة اللبنانية.
وقد اكتسبت المادة 52 أهمية خاصة بعد التعديلات الدستورية التي أُدخلت بموجب وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف)، إذ أصبحت صلاحيات رئيس الجمهورية في مجال العلاقات الدولية تمارس ضمن إطار من التعاون المؤسسي مع سائر مكونات السلطة التنفيذية، ولا سيما مجلس الوزراء الذي نصت المادة 65 من الدستور على أنه «السلطة الإجرائية التي تناط بها السلطة التنفيذية». ومن ثم، فإن ممارسة الاختصاصات المتعلقة بالمعاهدات الدولية باتت جزءاً من منظومة دستورية قائمة على مبدأ التوازن والتعاون بين السلطات، وعلى عدم انفراد أي سلطة دستورية بإلزام الدولة اللبنانية بالتزامات دولية ذات آثار قانونية وسياسية ومالية قد تكون بالغة الأهمية.
ومن خلال قراءة متأنية للمادة 52، يمكن استخلاص المراحل الأساسية التي تمر بها المعاهدات الدولية في النظام الدستوري اللبناني.
أولاً، يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها وفقاً للأصول الدستورية المقررة. ويعبّر هذا الإسناد عن الدور الدستوري لرئيس الدولة في تمثيل الجمهورية اللبنانية في علاقاتها الخارجية، وعن مكانته كرمز لوحدة الدولة واستمراريتها، وفق ما تنص عليه المادة 49 من الدستور.
ثانياً، لا تصبح المعاهدة مبرمة بصورة نهائية ونافذة في النظام الدستوري الداخلي إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتكتسب هذه الموافقة أهمية جوهرية، لأن مجلس الوزراء يشكل، بموجب المادة 65 من الدستور، الهيئة التي تمارس السلطة التنفيذية جماعيًا وتتخذ القرارات الأساسية للدولة. وبالتالي، فإن أي معاهدة دولية، مهما بلغت أهميتها السياسية أو الدبلوماسية، لا تنتج آثارها القانونية الداخلية ما لم تقترن بقرار صادر عن مجلس الوزراء.
ثالثاً، أوجب الدستور على الحكومة إطلاع مجلس النواب على المعاهدات الدولية عندما تسمح بذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. ويكرّس هذا الحكم مبدأ الرقابة البرلمانية على السياسة الخارجية، مع مراعاة ما قد تفرضه بعض الظروف الدبلوماسية أو الأمنية من مقتضيات السرية والتحفظ.
رابعاً، اشترط الدستور موافقة مجلس النواب بالنسبة إلى ثلاث فئات من المعاهدات: المعاهدات التي تتعلق بمالية الدولة، والمعاهدات التجارية، وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، أي تلك التي تنشئ التزامات طويلة الأمد أو ذات طبيعة مستمرة لا يمكن إنهاؤها بصورة دورية خلال مهلة سنوية. ويعكس هذا الشرط إدراك المشرّع الدستوري لخطورة هذه المعاهدات وما قد يترتب عليها من آثار مالية واقتصادية وسيادية تستوجب تدخل السلطة التشريعية بوصفها ممثلة للأمة وصاحبة الاختصاص الأصيل في مراقبة الأعمال الأساسية للدولة.
ويتضح من مجموع هذه الأحكام أن المادة 52 تؤسس لنظام دستوري متكامل يحقق التوازن بين مقتضيات الفعالية في إدارة العلاقات الدولية وبين متطلبات الشرعية الدستورية والرقابة الديمقراطية. فهي تمنح رئيس الجمهورية دوراً محورياً في تمثيل الدولة على الصعيد الخارجي، وتخضع هذا الدور لرقابة مجلس الوزراء، وتُشرك مجلس النواب كلما تعلق الأمر بمعاهدات ذات أهمية خاصة. وبذلك، لا تنعقد إرادة الدولة اللبنانية في المجال الاتفاقي إلا عبر تضافر إرادات دستورية متعددة، بما يحول دون احتكار قرار إبرام المعاهدات ويضمن خضوعه لمنظومة من الضوابط المؤسسية.
ثانياً: في آلية المفاوضات الدولية من الناحية العملية والدستورية
ألف: إجراءات التفاوض بشأن المعاهدات الدولية
لا تتم المفاوضات الدولية بصورة ارتجالية أو عبر مبادرات فردية معزولة، بل تخضع، وفقاً للأعراف الدبلوماسية المستقرة وأحكام القانون الدولي العام والقواعد الدستورية الداخلية، لمسار متدرج يمر بعدة مراحل متعاقبة تبدأ باتخاذ القرار السياسي بالتفاوض وتنتهي باستكمال إجراءات الإبرام والتصديق الداخلي. وقد كرّست اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات هذا التنظيم، ولا سيما في المواد 7 إلى 18 منها، التي تحدد قواعد تمثيل الدولة وسلطات المفاوضين وآثار التوقيع والالتزام الدولي.
1 ـ اتخاذ القرار السياسي
تنطلق أي مفاوضات دولية من قرار سياسي تتخذه السلطات الدستورية المختصة، يعكس إرادة الدولة في الدخول في مفاوضات بشأن اتفاق أو معاهدة محددة. ويُعد هذا القرار نقطة الانطلاق الفعلية للمسار التفاوضي، إذ يحدد الهدف السياسي والوطني للمفاوضات، والإطار العام الذي ينبغي للوفد المفاوض الالتزام به.
وفي الأنظمة الدستورية الحديثة، لا سيما في النظام اللبناني بعد اتفاق الطائف، لا يُنظر إلى قرار التفاوض بوصفه عملاً شخصياً صادراً عن مسؤول منفرد، بل باعتباره قراراً سيادياً يصدر ضمن منظومة مؤسساتية متكاملة تحكمها قواعد التعاون والتوازن بين السلطات الدستورية.
2 ـ تشكيل الوفد المفاوض وفقاً لمعايير الكفاءة والاختصاص
بعد اتخاذ القرار السياسي، يُصار إلى تشكيل الوفد الذي يتولى تمثيل الدولة في المفاوضات. وقد يضم هذا الوفد، بحسب طبيعة المفاوضات وتعقيدها، رئيس الجمهورية أو وزير الخارجية أو مبعوثين خاصين، إضافة إلى دبلوماسيين وخبراء في القانون الدولي والمالية والدفاع والاقتصاد.
ومن الناحية القانونية، لا يشكل الوفد المفاوض سلطة تقريرية مستقلة، بل جهازاً فنياً وتقنياً يعمل في حدود التفويض الممنوح له. فوظيفته الأساسية تتمثل في عرض المواقف، تبادل المقترحات، وصياغة النصوص، من دون أن يمتلك صلاحية إلزام الدولة نهائياً، لأن القرار النهائي يبقى للسلطات الدستورية المختصة وفقاً للأصول المحددة في المادة 52 من الدستور.
ومن ثم، فإن تشكيل الوفد يجب أن يستند إلى معايير الكفاءة والخبرة والاختصاص، لا إلى اعتبارات المحاصصة السياسية أو الطائفية. فالدستور لم يشترط أي توزيع طائفي أو حزبي في تكوين الوفود التفاوضية، كما أنه لم يمنح أياً من السلطات أو القوى السياسية غير المختصة دستورياً حق فرض ممثلين عنها داخل هذا الوفد. وبالتالي، فإن إدخال اعتبارات غير تقنية في تشكيل الوفد لا يجد أساساً في النص الدستوري، ويؤدي إلى خلط بين العمل الدبلوماسي المهني والتوازنات السياسية الداخلية.
3 ـ منح وثائق التفويض (Full Powers)
في الممارسة الدولية، يُمنح أعضاء الوفد عادة وثائق رسمية تُعرف بـ Full Powers، تخولهم التفاوض أو اعتماد نص المعاهدة أو التوقيع عليها باسم الدولة.
وقد نصت المادة 7 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات على أن بعض المسؤولين يُعدّون مخولين بحكم وظائفهم، من دون حاجة إلى إبراز وثائق تفويض خاصة، وفي مقدمتهم رئيس الدولة ورئيس الحكومة ووزير الخارجية. أما سائر أعضاء الوفد، فلا يملكون هذه الصفة إلا إذا مُنحوا تفويضاً رسمياً صريحاً.
4 ـ إجراء جلسات التفاوض
تبدأ بعد ذلك مرحلة التفاوض الفعلي، التي قد تتم بصورة مباشرة بين ممثلي الدول، أو بصورة غير مباشرة عبر وساطة دول أو منظمات دولية، مثل الأمم المتحدة أو دول وسيطة كـ الولايات المتحدة.
وخلال هذه المرحلة، يتبادل الأطراف المقترحات والملاحظات والصيغ البديلة، وتُعقد اجتماعات تقنية وقانونية متخصصة بهدف التوصل إلى نص يعبّر عن توافق الإرادات بشأن الحقوق والالتزامات المتبادلة.
5 ـ اعداد النص النهائي
عند التوصل إلى تفاهم حول النقاط الأساسية، يُعد النص النهائي للاتفاق ويُراجع بدقة من الناحية القانونية واللغوية والفنية، للتأكد من اتساقه مع القانون الدولي ومع القواعد الدستورية الداخلية للدولة.
ويُعد اعتماد النص (adoption of the text) مرحلة أساسية، لأنه يثبت أن المفاوضات قد أفضت إلى مشروع اتفاق متكامل أصبح جاهزاً للانتقال إلى المراحل الدستورية اللاحقة.
6 ـ التوقيع بالأحرف الأولى أو التوقيع الرسمي
قد يُصار في هذه المرحلة إلى التوقيع بالأحرف الأولى (initialling)، وهو إجراء يفيد إثبات اتفاق المفاوضين على الصيغة النهائية للنص، من دون أن يشكل بذاته تعبيراً نهائياً عن رضا الدولة بالالتزام.
أما التوقيع الرسمي، فقد يكون في بعض الحالات مجرد خطوة تمهيدية للتصديق الداخلي، وقد يشكل في حالات أخرى تعبيراً مباشراً عن رضا الدولة بالالتزام، وذلك وفقاً لطبيعة المعاهدة وما تنص عليه أحكامها، عملاً بالمادتين 11 و12 من اتفاقية فيينا.
7 ـ الإبرام والتصديق الداخلي
بعد انتهاء المرحلة التفاوضية، تبدأ المرحلة الدستورية الداخلية التي يتم خلالها استكمال الإجراءات اللازمة لانعقاد التزام الدولة بصورة نهائية.
وفي لبنان، تخضع هذه المرحلة للأصول المنصوص عليها في المادة 52 من الدستور، فتتطلب استكمال الآليات الدستورية داخل السلطة التنفيذية، ثم، عند الاقتضاء، موافقة مجلس النواب بالنسبة إلى المعاهدات التي تتعلق بمالية الدولة أو المعاهدات التجارية أو المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة.
باء: المدلول الدستوري لعبارة "بالاتفاق مع رئيس الحكومة"
تنص المادة 52 من الدستور اللبناني على أن رئيس الجمهورية «يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة». وتُعد هذه العبارة من أهم العبارات الدستورية الناظمة لاختصاص رئيس الجمهورية في مجال العلاقات الدولية، لأنها تُظهر بوضوح أن المشرّع الدستوري، وإن أسند إلى رئيس الجمهورية دوراً أساسياً في قيادة المفاوضات وتمثيل الدولة في المجال الاتفاقي، فإنه أخضع ممارسة هذا الاختصاص لضرورة قيام إرادة مشتركة داخل السلطة التنفيذية.
وقد استقر الفقه الدستوري على أن عبارة «بالاتفاق مع» تفيد، من حيث مدلولها القانوني، اشتراط تلاقي إرادتين دستوريتين متكاملتين، بحيث لا تكفي إرادة أحدهما منفرداً لإنتاج الأثر القانوني المقصود. وهي صياغة تختلف جذرياً عن عبارات مثل «بعد التشاور» أو «بعد استطلاع الرأي»، التي لا تمنح الطرف الآخر سلطة فعلية في قبول القرار أو رفضه. ومن ثم، فإن ممارسة الاختصاص المنصوص عليه في المادة 52 تستوجب توافقاً حقيقياً بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، سواء في شأن إطلاق المفاوضات أو في شأن نتائجها النهائية. ولم يمنح الدستور اللبناني لهذه الناحية أي دور لرئيس مجلس النواب.
ويترتب على ذلك أن رئيس الجمهورية لا يستطيع، من الناحية الدستورية، أن يقود مفاوضات رسمية باسم الدولة اللبنانية إذا كان رئيس الحكومة يعارض مبدأ هذه المفاوضات أو يرفض مضمونها. صحيح أن رئيس الجمهورية، بحكم موقعه كرئيس للدولة ورمز لوحدتها، يستطيع إجراء اتصالات سياسية أو دبلوماسية واستطلاع المواقف لدى الدول والمنظمات الدولية، إلا أن هذه الاتصالات، في حال غياب الاتفاق الدستوري المطلوب مع رئيس الحكومة، تبقى أعمالاً غير رسمية لا تعبّر بذاتها عن الإرادة الملزمة للدولة اللبنانية ولا يمكن أن تؤدي وحدها إلى إبرام معاهدة نافذة.
وحتى في الفرضية التي تؤدي فيها هذه المفاوضات إلى إعداد مشروع اتفاق أو إلى توقيع النص بالأحرف الأولى، فإن هذا المشروع يبقى مجرد وثيقة تفاوضية لا تتمتع بأي أثر قانوني نهائي ما لم تستكمل الإجراءات الدستورية اللاحقة. وفي هذه المرحلة، يؤدي رئيس الحكومة دوراً محورياً بحكم توليه إعداد جدول أعمال مجلس الوزراء ومتابعة أعماله عملاً بالمادة 64 من الدستور، الأمر الذي يمنحه وسيلة عملية مؤثرة في تحديد توقيت عرض مشروع المعاهدة على مجلس الوزراء.
غير أن هذه الوسيلة ليست مطلقة، لأن الفقرة الحادية عشرة من المادة 53 من الدستور تخول رئيس الجمهورية عرض أي أمر طارئ على مجلس الوزراء من خارج جدول الأعمال. ويترتب على ذلك أن رئيس الجمهورية يستطيع، إذا اعتبر أن مشروع المعاهدة يكتسي طابعاً عاجلاً، أن يطلب طرحه مباشرة على مجلس الوزراء حتى لو لم يكن مدرجاً مسبقاً على جدول الأعمال الذي أعده رئيس الحكومة.
وعليه، فإن الامتناع عن إدراج مشروع المعاهدة على جدول الأعمال لا يؤدي، من الناحية الدستورية، إلى استحالة مطلقة في عرض المشروع على مجلس الوزراء، لكنه يشكل مؤشراً واضحاً إلى غياب التوافق التنفيذي المطلوب بموجب المادة 52، ويجعل إقرار المعاهدة أكثر تعقيداً على الصعيدين السياسي والدستوري. فصلاحية رئيس الجمهورية في طرح الموضوع من خارج جدول الأعمال تحول دون اعتبار سلطة رئيس الحكومة في هذا المجال سلطة احتكارية أو مانعة بصورة نهائية.
أما إذا عُرض مشروع المعاهدة على مجلس الوزراء، سواء من خلال إدراجه على جدول الأعمال أو من خارج هذا الجدول، فإن القرار النهائي ينتقل إلى السلطة التنفيذية مجتمعة، حيث يملك مجلس الوزراء، بوصفه الهيئة التي تمارس السلطة التنفيذية جماعياً وفق المادة 65 من الدستور، الصلاحية الكاملة في قبول المعاهدة أو رفضها. وإذا كانت المعاهدة من الفئات التي عددتها المادة 52، فإن نفاذها يبقى معلقاً كذلك على موافقة مجلس النواب وليس رئيس مجلس النواب.
وعليه، فإن عبارة «بالاتفاق مع رئيس الحكومة» لا تُعد مجرد صياغة شكلية أو بروتوكولية، بل تمثل قيداً دستورياً جوهرياً يفرض قيام إرادة تنفيذية مشتركة في مختلف مراحل العملية الاتفاقية. وهي تمنح رئيس الحكومة دوراً مقرراً في إبداء الموافقة السياسية والدستورية على مسار التفاوض، من دون أن تخوله حقاً حصرياً مطلقاً في منع عرض مشروع المعاهدة على مجلس الوزراء، نظراً إلى الصلاحية التي يتمتع بها رئيس الجمهورية بموجب المادة 53. وبذلك، تتجسد فلسفة النظام الدستوري اللبناني بعد اتفاق الطائف، القائمة على التعاون الإلزامي بين المؤسسات الدستورية، وعلى منع أي سلطة منفردة من إلزام الدولة اللبنانية بالتزامات دولية ذات آثار سياسية أو سيادية أو مالية بعيدة المدى.
ثالثاً: في مدى جواز إبرام اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل رغم وصفها «دولة عدوة» وعدم الاعتراف بها
يثور في النقاش الدستوري والقانوني سؤال جوهري يتعلق بمدى إمكانية إبرام اتفاق سلام أو اتفاق أمني بين لبنان وإسرائيل، في ظل اعتبار الأخيرة «دولة عدوة» في التشريع اللبناني، وفي ظل عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية أو اعتراف سياسي متبادل بين الطرفين.
والجواب، من منظور القانون الدولي العام ومن زاوية القانون الدستوري اللبناني، هو أن هذا الأمر جائز من حيث المبدأ، إذ لا يوجد في النظام القانوني الدولي ما يمنع دولتين في حالة عداء أو نزاع مسلح أو عدم اعتراف متبادل من الدخول في مفاوضات أو إبرام اتفاقيات دولية ملزمة، بما في ذلك اتفاقات السلام، أو وقف إطلاق النار، أو الترتيبات الأمنية، أو تسوية النزاعات الحدودية.
ألف: القاعدة في القانون الدولي العام
يقوم القانون الدولي الحديث على مبدأ أساسي مفاده أن الدول، بوصفها أشخاصاً قانونيين كاملين في النظام الدولي، تملك حرية إبرام المعاهدات وفقاً لإرادتها السيادية. وقد كرّست اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات هذا المبدأ حين عرّفت المعاهدة باعتبارها اتفاقاً دولياً بين الدول يخضع للقانون الدولي، من دون أن تشترط وجود علاقات ودية أو اعتراف متبادل بين أطرافه.
وعليه، فإن معيار صحة المعاهدة في القانون الدولي ليس طبيعة العلاقة السياسية بين الدول، بل تلاقي الإرادات القانونية لإنشاء التزام دولي. وهذا ما يجعل المعاهدات أداة قانونية صالحة لإنهاء النزاعات المسلحة ذاتها، لا نتيجة لها فقط.
وتؤكد محكمة العدل الدولية في اجتهادها المستقر أن الالتزامات الدولية لا تتوقف على الاعتبارات السياسية أو طبيعة العلاقات بين الدول، بل على وجود إرادة قانونية ملزمة، وهو ما يظهر بوضوح في عدة قرارات، منها:
قضية شركة النفط الأنجلو-إيرانية التي أكدت استقلال الالتزام القانوني الدولي عن طبيعة العلاقات السياسية؛
قضية برشلونة تراكشن التي ميّزت بين الاعتبارات السياسية والآثار القانونية المستقلة للالتزام الدولي؛
الرأي الاستشاري بشأن ناميبيا الذي كرّس الفصل بين الوضع السياسي والنتائج القانونية الدولية؛
الرأي الاستشاري بشأن الجدار العازل في الأراضي الفلسطينية الذي أكد أن النزاع المسلح لا يعطل تطبيق قواعد القانون الدولي أو نشوء الالتزامات الدولية.
ويستفاد من هذه الاجتهادات أن حالة العداء أو النزاع لا تُعدم الأهلية القانونية للدولة، ولا تمنعها من الدخول في علاقات تعاقدية دولية.
باء: عدم الاعتراف "والدولة العدوة" في ضوء القانون الدولي
إن وصف دولة بأنها «دولة عدوة» في القانون الداخلي، أو عدم الاعتراف السياسي بها، هو توصيف ذو طابع سياسي-داخلي لا يرقى إلى مستوى القيد القانوني في النظام الدولي. فالاعتراف في القانون الدولي هو عمل سياسي مستقل لا يؤثر في الوجود القانوني للدولة أو في قدرتها على إبرام المعاهدات.
وبالتالي، فإن عدم اعتراف لبنان بإسرائيل لا يحول دون إمكان التفاوض معها أو إبرام اتفاقات دولية معها إذا ما توافرت الإرادة السياسية والأطر الدستورية الداخلية اللازمة. ويؤكد الفقه الدولي التقليدي والحديث، بدءاً من غروسيوس (Grotius) الذي أقر بإمكانية تنظيم الحرب والسلم تعاقدياً، مروراً بكلسن (Kelsen) الذي ربط الالتزام الدولي بالقاعدة القانونية لا بالاعتبارات السياسية، وصولاً إلى أوبنهايم (Oppenheim) الذي أكد أن حالة العداء لا تمس بالشخصية القانونية للدولة، أن الدول تبقى قادرة على التعاقد حتى في ظل النزاع.
جيم: السوابق اللبنانية والدولية
يؤكد التاريخ الدبلوماسي أن الاتفاقات بين الدول المتحاربة أو المتخاصمة تشكل قاعدة مألوفة في العلاقات الدولية.
فعلى الصعيد اللبناني، أبرم لبنان مع إسرائيل:
اتفاق الهدنة اللبناني الإسرائيلي؛
اتفاق 17 أيار؛
اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.
وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، يمكن الإشارة إلى:
اتفاقيات كامب ديفيد؛
معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية؛
معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية؛
اتفاقية الهدنة الكورية؛
اتفاق الجمعة العظيمة.
تبرهن هذه الأمثلة أن المعاهدات الدولية ليست نتاج علاقات ودية قائمة، بل كثيراً ما تكون الوسيلة القانونية التي تُنهي العداء وتؤسس لإطار جديد من العلاقات بين الأطراف.
وينتج من مجمل ما تقدم أن وصف إسرائيل بأنها «دولة عدوة» في التشريع اللبناني، أو امتناع لبنان عن الاعتراف بها سياسياً، لا يشكل مانعاً قانونياً يحول دون التفاوض معها أو إبرام اتفاق سلام أو اتفاق أمني معها. فإمكان إبرام اتفاق من هذا النوع لا يثير، من حيث المبدأ، إشكالية قانونية في القانون الدولي أو في القانون الدستوري اللبناني، وإنما يبقى رهناً بتوافر الإرادة السياسية الوطنية وبالالتزام الكامل بالإجراءات والضوابط الدستورية المنصوص عليها في المادة 52 من الدستور اللبناني.
خلاصة عامة
يتبين من تحليل المادة 52 من الدستور اللبناني أن النظام الدستوري قد اعتمد آلية مركّبة وموزّعة للاختصاص في مجال التفاوض بشأن المعاهدات الدولية وإبرامها، بحيث لا تنفرد سلطة دستورية واحدة بالقرار، بل تتداخل صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء، مع تدخل مجلس النواب في الحالات التي تستوجب ذلك، ولا سيما بالنسبة للمعاهدات ذات الطابع المالي أو التجاري أو طويلة الأمد. ويُفهم من هذا التنظيم أن الدستور قد أراد إخضاع الالتزامات الدولية لمنظومة توازن ورقابة مؤسساتية دقيقة تمنع التفرد بالقرار في المسائل السيادية.
كما يتضح أن عبارة «بالاتفاق مع رئيس الحكومة» لا تُعد مجرد صياغة إجرائية، بل شرطاً دستورياً جوهرياً يعكس مبدأ الشراكة داخل السلطة التنفيذية، بما يجعل من التفاوض الدولي عملاً مشتركاً لا يكتمل في حال غياب التوافق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، مع بقاء مجلس الوزراء صاحب الكلمة الفصل في الإبرام أو الرفض، وإمكانية تدخل مجلس النواب عند الاقتضاء وفق الحالات التي حددها الدستور.
وفي هذا الإطار، من المهم التأكيد على أن لا صلاحية دستورية تُذكر لرئيس مجلس النواب في هذا المجال، إذ لا يملك أي دور لا في مرحلة التفاوض ولا في مرحلة الإبرام. فمشاركة السلطة التشريعية، حيث نصت المادة 52 على ذلك، تكون من خلال مجلس النواب كهيئة دستورية جماعية عندما تُعرض عليه بعض فئات المعاهدات حصراً، وليس عبر رئيسه الذي لا يتمتع بأي اختصاص فردي في هذا الإطار، سواء في الموافقة أو الاعتراض أو إدارة المسار الاتفاقي.
وأخيراً، فإن قواعد القانون الدولي العام والاجتهاد القضائي والفقه المستقر تؤكد أن حالة العداء أو عدم الاعتراف لا تشكل مانعاً قانونياً لإبرام المعاهدات بين الدول، وأن المعاهدات تبقى الأداة الأساسية لتسوية النزاعات وإنهاء الحروب. غير أن هذا الإمكان القانوني يبقى خاضعاً بالكامل للضوابط الدستورية الداخلية لكل دولة، بحيث لا ينشأ أي التزام دولي إلا وفق الإجراءات التي يحددها الدستور الوطني وبواسطة مؤسساته الدستورية المختصة.