المحامي محمد آصف ناصر

يوم الفردوسي

9 دقائق للقراءة

يوافق 15 أيار من كل عام يومًا ثقافيا في إيران، هو يوم الفردوسي الشاعر الفارسي مؤلف ملحمة "الشاهنامة" التي تحمل نبرة قومية فارسية فيها استعلاء وعداء صريح للعرب. في هذا اليوم اختتمت قمة بيكين وظهر المذيع الإيراني حسين حسيني على قناة أفق الفضائية التابعة للحرس الثوري في برنامج "مقر الحرب" (قرارگاه جنگ)وهو يصوب السلاح ويطلق النار على العلم الاماراتي في خلفية افتراضية تظهر دبي مدينة تحترق، والذي تلاه بعد يومين الاعتداء على مفاعل البراكة في أبو ظبي وهو نفس التاريخ الذي تم تعيين قاليباف فيه مبعوثا خاصًا إلى الصين.

يسأل سائل: لماذا تضمر خلية حبيب هذا العداء للإمارات؟ ما علاقة هذا المشهد باختتام قمة بكين؟ لماذا تم تعيين قاليباف مبعوثًا خاصًا إلى الصين في أعقاب قمة بكين؟ ما المشهد الدولي الحقيقي الذي فرضته قمة بيكين؟ لماذا الامارات؟ وما السبيل الذي يجب علينا في لبنان انتهاجه لكي نلعب دورا فاعلاً في العالم الجديد؟

فخ ثوسيديدس.

لا تقف نتائج قمة بكين على صورة الــG2 الذين لا ثالث فيها، فالواضح في هذه الصورة أن لا مكان للروسي ولا لأي قوة ثالثة في هذا المستوى، فالجميع دون استثناء لا يستحقون الجلوس على هذه الطاولة وبالتالي الجميع على قائمة الطعام.

بدأ الترحيب بإبراز الثبات العسكري الصيني عبر استقبال الطائرة لرئاسية من قبل حرس الشرف التابع لجيش التحرير الشعبي الصيني بانضباط لافت يبرز القدرة على تحمُّل اللامعقول، وكأن الجندي يقول "نعم قوتكم العسكرية أسطورية ولكن ثباتي أيضًا أسطوري". أُتبع هذه المشهد باستقبال الطلاب المرتدين اللون الأبيض (الذي يرمز في الفلسفة الصينية إلى الحداد كطقس ضروري للانتقال إلى مرحلة جديدة تصفر فيها المشاكل وتفتح فيها صفحة بيضاء نقية) والأزرق (لون التشينغ، والخزف الامبراطوري الراقي في عهد السلالة الإمبراطورية التي بنت المدينة المحرمة). كانت الرسالة واضحة تقول لترمب "مرحبا بكم في مستقبلنا، مستقبل يرسمه أبناؤنا بانضباط، ويحولون فيه الخزف الجامد القابل للكسر، إلى قوة نظامية بديعة الاتقان". هذا الاستقبال اختلف جذريا عن استقبال بوتين يوم 19 أيار 2026، إن لجهة مستوى من قام باستقبال الشخصين، ففيما استقبل ترمب نائب الرئيس الصيني استقبل بوتين وزير الخارجية، ولم تكن المراسم بذات الدقة والفخامة، أما عن الاجندة فكانت الأربعين اتفاقية روسية صينية عبارة عن تمتين أسس السيادة الرقمية والمالية في Pax Sinica، ومنح الصين نوعا من الأمن الذاتي الطاقوي عبر اتفاقية 50 مليار متر مكعب مع الغاز المسال، وابرام الصفقات بالعملات المحلية بين البلدية تجاوزا لنظام السويفت.

اشتملت اللقاءات الأميركية الصينية على عدد من التلميحات الميتولوجية التي اعتمدها الرئيس تشي، ولكن أهمها كان مسألة فخ ثوسيديدس التي تشير الى ضرورة تحويل التنافسية بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية إلى تكاملية وعلى ضرورة التعايش بينهما لضمان الاستمرارية. لكن هل من الممكن أن تشتمل هذه الاستعارة تحذيرا من مغبة تغاضٍ قد يؤدي إلى نشوء قوة ثالثة يمتد نفوذها اليوم من البلطيق إلى إقليم شينجيانغ، ويترعرع فيها المقاتلون الايغور لاستخدامهم في هز استقرار الصين، وقد ينقلب السحر على الساحر لاحقًا؟ لا يستطيع الا من حضر الاجتماعات المغلقة الإجابة على هذا التساؤل.

حدد تشي خطه الأحمر: تايوان، وابرمت الاتفاقات الخاصة والتجارية واسس مجلسي التجارة والاستثمار، واشترت الصين منتجات زراعية، و200 طائرة بويغ، اتفق الطرفان على رفض عسكرة مضيق هرمز ومعارضة برنامج إيران النووي العسكري، بمعنى أن مفاتيح المضيق شروها الصينيون بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيها من الزاهدين.

مقر الحرب.

في يوم فردوسي وفيما كان ترمب وتشي يؤديان مراسم الوداع وبتفقان على موعد ثاني في أيلول 2026، كانت الفضائية الإيرانية تصوب بندقيتها إلى علم الامارات العربية المتحدة.

لا بد بداية من تبيان أن الجمهورية الإسلامية في إيران التي تصدر الثورة ومفاهيم الثورة الإسلامية وتكافح الوطنية والقومية وتعتبرهما ضلالا، هذه السلطة نفسها أقرت ما أقامه النظام البهلوي من أيام ثقافية تستحضر الحركة الشعوبية وتمجد الثقافة الفارسية والتركمانية كما في يوم فردوسي ويوم شمس التبريزي، أما عربيا فلا يوجد أي يوم لأي شاعر عربي باستثناء دعبل الخزاعي لارتباط رمزيته بزيارة الامام علي بن موسى الرضى (ع) إلى قم. وحتى في هذا الاطار تختصر رمزية دعبل الخزاعي بمركز معد لتحضير اللطميات والأغاني العقائدية في مسعى إيديولوجي لتصدير الثورة: فالعربي يستخدم فقط للبكاء، ويتم استبدال العقل العربي بالدمعة العربية.

في هذا السياق الفكري يتم استهداف الامارات العربية المتحدة، فهي ليست فقط الدولة العربية الوحيدة التي وصلت إلى المريخ، وليست الدولة العربية الوحيدة التي تملك نموذجا حضاريا قابلا للتطبيق لتحرير العرب من تقهقر طويل فرضه تسيُّد العجم، بل لأن الامارات هي الشريك الأكثر موثوقية حاليا للصين في الشرق العربي، وهي التي تجذب الاستثمارات الصينية في المرافئ والصناعات والمولات، وفي نفس الوقت تشكل شريكا موثوقا للولايات المتحدة الأميركية. فالإمارات تجسد العقل العربي البراغماتي المحدث الذي يستطيع التأقلم والخروج من جمود الفكرة إلى انسيابية المنفعة العامة. في مواجهة هذا العقل وفي يوم 17 أيار 2026 تم الاعتداء على المفاعل النووي الاماراتي وفي نفس اليوم تم تعيين قاليباف مبعوثا إلى الصين: هذا التعيين لم يأت من ترف وإنما من ضرورة حتمتها أزمة تجلت في مخرجات قمة بكين.

أما اطلاق النار على العلم الاماراتي واستهداف المفاعل النووي، فكان إطلاق نار على الاستقرار والاستثمارات ونوع جديد من اتخاذ الاستثمارات رهينة. فكما تم استهداف الفجيرة في أعقاب خروج الامارات من منظمة الأوبك، واعتماد مرافئ الفجيرة كمضخة أوكسيجين في رئة العالم الاقتصادية، جاء التهديد الإيراني في محاولة لإطلاق النار على ما تم التفاهم عليه في بكين.

وفيما يطلق حسن الحسيني النار على اللوحة الافتراضية في استوديو مقر الحرب، يقوم حزب الله بالاسناد الثالث، هذا الاسناد ليس فقط في فتح جبهة الجنوب وإنما في شن حرب تجريبية تناظرية يبرهن فيها للأميركي عبر النسبة والتناسب ما ستكون عليه كلفة الحرب البرية في إيران، وكأن آلة الحرب الأميركية لم تقم بدرس كافة الاحتمالات ولم تعتمد الذكاء الاصطناعي لمراجعة خططها، وكل ما يفعله الحزب اليوم هو منح الذكاء الاصطناعي العسكري الأميركي المزيد من الداتا ليقوم هذا الذكاء بتجويد عمله.

فهل هذا دورنا في لبنان؟ غرضٌ يُرمى؟

هذه العقلية التي لم يتم تحديثها لمواكبة ما بعد حرب أيلول 2024، تفضي إلى خراب وتمير ممنهج للبنية اللبنانية الأساس وتسعى إلى تعطيل مبادرات القوى الحية في لبنان، فيتم السعي لتلخيص لبنان في أخبار الخراب والتهجير ونقل نازحي الواجهة البحرية إلى مخيم لجوء جديد، وهدر الطاقة التربوية جودة الدراسة في المدارس الرسمية وتهديد شهاداتنا الرسمية بالحروب. في المقابل حضرت مع نخبة من فعاليات طرابلس في 19 أيار 2026 افتتاح محطة الطاقة الشمسية في معرض رشيد كرامي في طرابلس، بتمويل من غرفة التجارة والصناعة، تمنيت وأنا أتابع الكلمات لو بشرنا أي من أعضاء مجلس إدارة المعرض بتقديم ملف معرض طرابلس الدولي إلى فعالية EXPO، أو لو أنهم اعلنوا عن تحضير اقتراح قانون لتأسيس منطقة حرة في مدينة طرابلس للمعارض، أو بأضعف الايمان أخبرونا عن مفاوضات للتوأمة ما بين معرض طرابلس الدولي (معرض الرئيس الشهيد رشيد كرامي) وسلطة EXPO 2020 في دبي.

كنت أتمنى لو قرأت في جدول أعمال مجلس النواب عن مشروع قانون يفصل وزارة النقل عن وزارة الشغال، فيكون لنا تصور استراتيجي لقطاع النقل بدل من أي يكون تابعا لوزارة الأشغال، بدل من أن يدفن اقتراحي لتحويل العلم اللبناني لعلم موافقة تحت أطنان البيروقراطية والنجاحات بالتجزئة.

يتم العمل على إنشاء مطار جديد في القليعات، مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض، وفي إطار هذه الخطوة الجبارة التي قامت بها الدولة اللبنانية والتي تستوجب الاحتفاء، إلا أن استكمالها يتم باتباع المنهاج اللامركزي في دبي، فتؤسس منطقة حرة فيه، فتكون فيه الشركات المتحررة من البيروقراطية المترهلة، بالتوازي مع تعديل مفاهيم الأجواء المفتوحة في لبنان، فننتقل من الحمائية غير المجدية إلى الريادة التقدمية: فتمنح الدولة اللبنانية الحريات التسع كاملة غير منقوصة لكافة شركات الطيران حول العالم لنستفيد من موقعنا الجغرافي بدل من أن نختنق في دعمنا لشركة طيران الشرق الأوسط. وهنا لا بد من التساؤل: إن المسافة بين مطار آل مكتوم مطار دبي الدولي لا تتعدى الثمانين كيلومتر، ومع ذلك وفي الامارة الواحدة والمدينة الواحدة يوجد مطارين، وفي إمارة الشارقة يوجد مطار دولي لا يبعد عن مطار دبي أكثر من 27 كيلومتر، فما الذي يمنع من وجود أكثر من مطار دولي في لبنان: مطار في عكار ومطار في البقاع، ومطار في حالات، ويتم تلزميهم جميعا عن طريق الــBOT فيكون المطار في عكار مطارا دوليا مشابها لمطار آل مكتوم ومطار إسطنبول بسبب المساحات المتاحة، بينما يتحول مطر البقاع إلى مطار زراعي، ومطار حالات إلى مطار للرحلات القريبة والطائرات الخاصة والمنخفضة الكلفة، وتشكل جميعها مع مطار رفيق الحريري شبكة مطارات متكاملة تخدم في رؤية جديدة للبنان متحررة من الفكر الحمائي القديم.

في الأجواء التجارية اللبنانية، نعيش كمختبر أزمات في المنطقة، ونعاني من ضمور السوق نتيجة عقليات تعمل في قواعد صيغت لزمن آخر، فبدل من صناعة السوق، وتحرير العقل والابداع اللبناني من قيود السلطوية والحمائية، نرى إمعانا في تثبيت هذه الحمائية.

في عالم يتجه إلى أزمات عميقة نتيجة العقلية الحمائية المحافظة في مرحلة ما بعد العولمة، فرصة لبنان تكمن في الانفتاح الأقصى دون خوف ولا وجل، فالطريقة الوحيدة لنحيا ونتطور ونلعب دورنا الريادي هي أن نسير عكس التيار، وهنا تكمن فرادتنا التنافسية، فبدلا من فرض القيود وتقليص حجم سوقنا، فلنعمل على فتح السوق إلى أقصاه فتتحول حمائية الآخرين قيمة مضافة لنا، وبدلا من أن نعيش على أجندات الاخرين وحروبهم وبكائياتهم نتحول إلى فاعلين في الاقتصاد العالمي ورواد في تصميم مساره.