كنت صغيرة أجلس مع أمي أمام باب المطبخ. هي تشرب قهوتها الحلوة جدًا، وتضع لي أنا فنجانًا فيه ماء وسكّر ونقطة من "ركوتها" لتلوّن أحلامي وتجعلني أعتقد أنني كبرت. كم ألّفت لها قصصًا ونحن نحتسي القهوة معًا، حتى إنني أخبرتها عن منام ربّما لم أره، أنّ "العدرا" كانت تُعدّ قالب "كاتو" للقديسة التي أحمل اسمها وللقديس شربل. كم كان لذيذًا ذلك الفنجان، وحتى اليوم ما تزال القهوة صديقتي، إنما السريعة التحضير، السوداء الداكنة، بلا أي ذرّة سكّر أو بقعة حليب. ويستمر حبل قصص القهوة طويلا وممتعًا.
قد يظن المرء أنّ القهوة مجرّد مشروب بسيط. لكن لا، فالقهوة مسألة دولة، ودين، وعلاقات، وحرب، وتجارة، وأحيانًا منطق سليم، وهذا أمر نادر. في القرن السابع عشر، انتاب القلق بعض الأوروبيّين ممّن شربوا، على ما يبدو، الكثير من الماء الفاتر، إذ كانت القهوة قادمة من العالم الإسلامي، وبالتالي كانت موضع شك، حتى إنهم أطلقوا عليها اسمًا شيطانيًا. كان بإمكان المرء أن يتخيّل الجحيم مجهّزًا بـ "ركاوي" القهوة. لذا، يُحكى أنّ البابا كليمان الثامن، وهو رجل عملي، قرّر تذوُّق القهوة قبل إدانتها. كان ذلك خبرًا سيئًا للرقابة، فقد أعجبته. ونتيجة لذلك، بدل تحريم القهوة من الكنيسة، قام بـ "تعميدها" رمزيًا. ربما كانت هذه المرة الأولى في التاريخ التي يفلت فيها منتَج من الحظر بفضل مذاقه، وهذا دليل على أن قهوة أرابيكا الجيّدة قادرة على تغيير المفاهيم.
"بنس" إنكليزي
في غضون ذلك، في لندن، كان يُبتكر شيء أشدّ خطورة. ففي مقاهي القرن السابع عشر، كان بالإمكان، مقابل "بنس" واحد، احتساء فنجان قهوة وخوض نقاشات سياسية وعلمية ومالية. تلك المقاهي كانت تُعرف باسم "جامعات البنس". في الواقع، كانت أول شبكة تواصل اجتماعي من دون شاشات أو خوارزميات، مع ميزة كبيرة، وهي أنه عندما يقول أحدهم شيئًا سخيفًا، يكون بالإمكان الرد فورًا من دون إنشاء حساب. كان الزبائن يقضون ساعات في الدردشة وهم يحتسون فنجانًا واحدًا من القهوة. حينها اكتشف أصحاب المقاهي ظاهرة ستدوم عبر القرون: الزبون الذي يستحوذ على الطاولة مقابل ثمن فنجان قهوة. مع ذلك، لم يكن بعض الحكّام راضين عن هذا الهوس بالقهوة، إذ حاول الملك تشارلز الثاني إغلاق المقاهي رسميًا ونهائيًا عام 1675، لمكافحة الشائعات. استمر الحظر بضعة أيام، عادت بعدها القهوة، ورجعت الأحاديث والأقاويل.
كرامة البيرة وضحايا القهوة
أما في بروسيا، ففريدريك العظيم، الذي كان قلقًا بشأن استهلاك "البيرة الوطنية" وللوطنية مكانتها، قرّر تقييد استهلاك القهوة. حسنًا، لا شيء غير عادي، لكن المثير للاهتمام أنه عيّن مفتشين لكشف عمليات تحميص البن السريّة عن طريق حاسة الشم. نعم، جواسيس يعتمدون على حاسة الشم. يمكن للمرء أن يتخيّل هؤلاء العملاء وهم يستنشقون الأزقة بجديّة، باحثين عن قهوة أرابيكا كما يبحث الآخرون عن المتآمرين. إنه "الذكاء الشمّي"، تخصُّص بروسي.
في سياق مختلف، اقترحت السويد تجربة علميّة تستحق الذكر في تاريخ الأفكار المشكوك فيها. أراد الملك غوستاف الثالث إثبات خطورة القهوة، فأعطى محكومًا عليه بالإعدام قهوة، وشايًا لمحكوم آخر... وانتظر. ما حدث بعد ذلك كان مثالا رائعًا على المفارقة: اغتيل الملك، ومات الأطباء قبل اكتمال التجربة، وعاش شارب القهوة أطول من أي شخص آخر. والعبرة أنه إذا كان للقهوة تأثير قاتل، فهي تختار ضحاياها بعناية.
بين بلزاك وباخ
لكن الفنانين لم ينتظروا الملوك ليُفرطوا في ملذاتهم. فالأديب الفرنسي أونوريه دو بلزاك، مثلا، حوّل القهوة إلى وقود أدبي. كان يشرب كميات هائلة منها، لدرجة أنّ صانعي القهوة أنفسهم بدأوا يشكّون في الأمر، زاعمًا أنّ القهوة تُحفّز أفكاره كجيش في مسيرة. ولنا أن نصدّقه، فبعد عشرين كوبًا، حتى الكرسي يصبح ذا أهمية استراتيجية. أما قلبه، فقد كان أقل حماسًا، إذ مات عن 51 عامًا.
على صعيد موسيقي، ألّف يوهان باخ "كانتاتا" كاملة عن القهوة. نعم، عمل جادّ مُهدى لفتاة شابة مدمنة عليها، يحاول والدها إبعادها عنها، فترفض الزواج رفضًا قاطعًا، إلا إذا ضُمن لها الاستمرار في شرب القهوة بعد زفافها. وهكذا نكتشف أنّ إدمان الكافيين ليس اختراعًا حديثًا، وأنّ المفاوضات العائلية لم تتغير كثيرًا.
من التصوّف إلى الكسل
علاوة على ذلك، لم تولد القهوة في مقهى باريسيّ، بل في سياق روحي بامتياز. ففي اليمن، كان الصوفيون يستخدمونها للبقاء مستيقظين أثناء صلواتهم الليلية. وهكذا بدأت القهوة أداة روحية قبل أن تصبح ذريعة للتسويف. يا له من مسار! ثم انتشرت، ولم تخلُ من المقاومة. ففي مكة، في القرن السادس عشر، مُنعت لفترة وجيزة لأنها كانت تُشجع على التجمّعات. بعبارة أخرى، كان الناس يجتمعون ويتناقشون ويتبادلون الأفكار. إذًا، القهوة ليست مجرد مشروب، إنها مُحفّز اجتماعي، تُنشّط العقول، وهو ما لطالما أقلق البعض في أماكن كثيرة.
ثمّة اختراعات حديثة تستحق فصلا خاصًا بها. في عام 1991، في "كامبريدج"، ركّب باحثون كاميرا لمراقبة آلة صنع القهوة، ليس لأغراض علمية، ولا لأغراض أمنية، بل لتجنب الاستيقاظ من دون داع. أصبح هذا الجهاز من أوائل "كاميرات الويب". بالتالي، فإنّ الإنترنت، تلك الأعجوبة التكنولوجية، يدين بجزء من وجوده لكسل العلماء المحرومين من القهوة. ثمّة بدايات أكثر إثارة، أليس كذلك؟!
أما القهوة المنزوعة الكافيين فقد وُلدت من حادثة، إذ فقدت شحنة من البن المنقوع في مياه البحر بعضًا من الكافيين، فخطرت لأحدهم فكرة تحويل ذلك إلى عملية صناعية. والنتيجة: مشروب طعمه كطعم القهوة، ورائحته كرائحة القهوة، لكنه لا يُحدث مفعولها. نوع من الكوميديا الإنسانية في صورة سائلة.
هزّ الفنجان
في الوقت نفسه، في العالم العربي، لا تُعدّ القهوة مجرّد مشروب متوافر، بل تُشكّل بنية المجتمع. لا تُشرب، بل تُقدّم. وتقديمها فن مُقنّن. فنجان صغير بلا مقبض، يُملأ بكميات مُحدّدة، ويُقدَّم مرارًا. إذا لم يهزّ الضيف الفنجان برفق، يُعاد ملؤه حتى يفرغ إبريق القهوة أو حتى يفرغ الضيف. هذه اللفتة البسيطة، هزّ الفنجان، تُحدِّد نهاية اللقاء المُفعم بالكافيين. وفي بعض الحالات، نهاية العلاقة تمامًا. رفضُ القهوة قد يُساء فهمه. فهو ليس مجرّد قول "لستُ عطشانًا"، بل أحيانًا يعني: "لا أرغب حقًا في أن أكون هنا". القهوة لغة دبلوماسية. تُوقّع الهدنات، ومعها تبدأ النقاشات، ويُقاس الاحترام بطريقة تقديمها. وعلى فكرة، في الإمبراطورية العثمانية، كان عدم تقديم كمية كافية من القهوة للزوجة يُعدّ سببًا للطلاق.
أما في لبنان، فتُرافق القهوة كل شيء: الزيارات، والمحادثات، والقرارات، وحتى لحظات الصمت. تكون مُرّة أثناء التعازي، عن قصد. يعكس مذاقها المشاعر. في أماكن أخرى، يُحلّيها الناس ويُخففون من حدّتها. وفي البال دائمًا الفنان شوشو الذي عاش على 36 فنجان قهوة في اليوم، ومات شابًا ويستمر في إضحاك عشاقه إلى اليوم.
ثمّة أيضًا عادة غريبة تتمثل في قراءة المستقبل من بقايا القهوة. أنت تشرب، تقلب الفنجان رأسًا على عقب، ويخبرك أحدهم بمستقبلك من خلال ملاحظة أشكال غامضة. ربما يكون هذا هو المجال الوحيد الذي يمكن فيه التنبؤ بترقية أو زيادة في المعاش من أثر رغوة.
وتستمر القهوة إلى اليوم في فعل الشيء نفسه منذ قرون، إذ إنها تُدفئ اليد، وتُوقظ الرأس، وتدفع القلب إلى التفكير بصوت أعلى قليلا.

