بوتين وشي يدفعان نحو ولادة نظام عالمي جديد

6 دقائق للقراءة

جاءت القمّة التي عقدها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الصيني شي جينبينغ في بكين أمس، بعد أيام من زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين، لتؤكد عمق وأهمّية التنسيق الاستراتيجي بين البلدين، اللذين يسعيان، من خلال تعزيز تعاونهما، إلى إنهاء زعامة أميركا العالمية لمصلحة "عالم متعدّد الأقطاب" تكون فيه للقوى العظمى الثلاث مناطق نفوذ خاصة بها، ما يتيح لبوتين أن يحقق طموحاته التوسّعية في شرق أوروبا، ويسمح للصين باحتلال تايوان وفرض هيمنتها في أقصى شرق آسيا. إلا أن "الإمبراطورية" الأميركية لا تزال قوّية بما يكفي لمنع ترجمة أمنيات شي وبوتين إلى حقيقة، على الأقل على المديَين القريب والمتوسط.

عقد شي وبوتين، اللذان سبق أن التقيا نحو 40 مرّة خلال الأعوام الـ 13 التي تزامن فيها وجودهما في السلطة، محادثات في قاعة الشعب الكبرى في بكين، حيث اتفقا على تمديد معاهدة "حسن الجوار والتعاون الودي" بين بلديهما، القائمة منذ 25 عامًا، إلى جانب نظام الإعفاء المتبادل من التأشيرات. ووقّعا بيانًا مشتركًا لتعزيز التنسيق الاستراتيجي الشامل، إلى جانب إعلان يدعو إلى نظام عالمي متعدّد الأقطاب.

ورأى إعلان النظام العالمي المتعدّد الأقطاب أن "محاولات عدد من الدول إدارة الشؤون العالمية بصورة منفردة، وفرض مصالحها على العالم بأسره، وتقييد فرص التطوّر السيادي لدول أخرى بروح الحقبة الاستعمارية، قد فشلت"، معتبرًا أنه "في القرن الـ 21، يمرّ نظام العلاقات الدولية بتحوّل عميق، متطوّرًا نحو حالة طويلة الأمد من تعدّد المراكز، ونحو تشكيل علاقات دولية من نوع جديد". وتحدّث عن أن "الاتجاهات الاستعمارية الجديدة السلبية آخذة في التصاعد، بما في ذلك ممارسة المقاربات الأحادية القائمة على القوّة، والهيمنة، والمواجهة بين التكتلات".

وأكد شي أن على الدولتين التركيز على الاستراتيجية طويلة الأجل وتعزيز نظام حوكمة عالمي "أكثر عدلا ومنطقية"، معتبرًا أن "العلاقات الصينية - الروسية وصلت إلى هذا المستوى لأننا تمكّنا من تعزيز الثقة السياسية المتبادلة والتعاون الاستراتيجي"، فيما رأى بوتين أن العلاقات مع الصين "وصلت إلى مستوى لم يسبق له مثيل حقًا ومستمرّة في التطوّر"، داعيًا شي إلى زيارة روسيا العام المقبل. وصرّح بأنه يعتزم حضور قمّة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في شنتشن في تشرين الثاني، وهي القمّة التي أوضح ترامب أيضًا أنه سيحاول حضورها.

وندّد بوتين وشي في بيان مشترك بخطط ترامب لبناء منظومة الدفاع الصاروخي "القبّة الذهبية"، وسياسة واشنطن النووية "غير المسؤولة". وأكد البيان أن شي، رغم سعيه إلى إقامة علاقات مستقرّة وبنّاءة مع ترامب، إلا أنه يختلف معه اختلافًا جوهريًا في القضايا الرئيسية التي يتوافق فيها موقف الصين بشكل وثيق مع موقف روسيا. وحذّر من أن خطة ترامب لنشر منظومة اعتراض صواريخ أرضية وفضائية تمثل تهديدًا للاستقرار الاستراتيجي العالمي، منتقدًا واشنطن لوقف العمل بالمعاهدة التي كانت تقيّد الترسانات النووية الأميركية والروسية.

وأكد البيان المشترك أن الصين وروسيا ستواصلان تعزيز الصداقة التقليدية بين القوات المسلّحة في البلدين، وتعميق الثقة المتبادلة في المجال العسكري، وتحسين آليات التعاون، وتوسيع ممارسة التدريبات المشتركة والدوريات الجوية والبحرية، وتعزيز التنسيق والتفاعل في الأطر الثنائية والمتعدّدة الأطراف، والردّ المشترك على مختلف التحدّيات والتهديدات، ودعم الأمن والاستقرار العالميين والإقليميين. وشدّد الجانبان على قناعتهما بضرورة "إزالة الأسباب الجذرية للأزمة الأوكرانية بالكامل على أساس الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة بكاملها وشمولها وترابطها، بهدف ضمان الأمن المتبادل وإرساء أسس سلام دائم".

ومع تزايد المخاوف من تجدّد الحرب في الشرق الأوسط، أكد شي وبوتين أنهما يتشاركان الرأي بأن الضربات الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران تنتهك القانون الدولي والقواعد الأساسية للعلاقات الدولية، وتقوّض بشكل خطر الاستقرار في الشرق الأوسط. وشدّدا على ضرورة عودة الأطراف المنخرطة في النزاع إلى الحوار والمفاوضات في أقرب وقت ممكن، من أجل منع توسّع منطقة النزاع. وجدّدا تأكيد التزامهما بتسوية شاملة وعادلة ومستدامة للقضية الفلسطينية على أساس قانوني دولي معترف به عمومًا، تكون صيغة الدولتين في صميمه.

وبينما شهدت القمّة توقيع 20 وثيقة تعاون في مجالات تشمل الاقتصاد والتجارة والتعليم والعلوم والتكنولوجيا، كشف الكرملين أن الزيارة لم تحقّق أي اختراق في شأن خط أنابيب الغاز الطبيعي المقترح "قوّة سيبيريا 2"، الذي تدفع موسكو في اتجاهه منذ سنوات، والذي من شأنه أن يربط روسيا بالصين عبر منغوليا، وأن يساعد في تعويض الصادرات التي كانت روسيا ترسلها إلى أوروبا قبل أن تطلق غزوها لأوكرانيا. وأوضح الكرملين أنه في حين توصّل الجانبان إلى "تفاهم أساسي"، بما في ذلك في شأن المسار وكيفية بنائه، لا يوجد "جدول زمني واضح"، و"لا تزال هناك بعض التفاصيل التي ينبغي العمل عليها"، فيما تتحفّظ بكين على أن تصبح مفرطة الاعتماد على أي بلد واحد في مجال الطاقة، وبصفتها الداعم الاقتصادي الرئيسي لروسيا، فإنها تبقى في موقع قوي للتفاوض على السعر.

في الغضون، عرضت روسيا لقطات قالت إنها تظهر القوات وهي تزوّد منصات إطلاق "إسكندر أم" المتنقلة برؤوس نووية، وتنقلها إلى مواقع إطلاق في إطار مناورة نووية كبرى، مؤكدة أن قواتها تلقّت تدريبًا على إيصال الوحدات إلى "أعلى مستويات الجهوزية القتالية لاستخدام الأسلحة النووية". وجاءت المناورة التي تستمر ثلاثة أيام وبدأت الثلثاء في روسيا وبيلاروسيا في وقت تواجه فيه موسكو ما وصفته بأنه "كفاح وجودي" مع الغرب في شأن أوكرانيا.

وبعدما تحدّثت موسكو عن معلومات تفيد بأن أوكرانيا تخطّط لإطلاق طائرات مسيّرة عسكرية من لاتفيا ودول البلطيق الأخرى، محذّرة من أن عضوية حلف "الناتو" لن تحمي تلك الدول من الرد الانتقامي، حذّرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من أن تهديدات روسيا لدول البلطيق "غير مقبولة" وستُعتبر تهديدات للاتحاد الأوروبي بأكمله، مشيرة إلى أن روسيا وبيلاروسيا تتحمّلان "مسؤولية مباشرة عن الطائرات المسيّرة التي تعرّض حياة الناس وأمنهم للخطر" في الجانب الشرقي من الاتحاد الأوروبي.