تغيرت الدنيا في الشرق الأوسط، وإن بقيت أمور كثيرة على حالها. وليس أهم مما تغير في لبنان سوى القدرة على ممارسة التغيير عملياً ومنع الوقت من أن يقتله بالتردد. والخوف والحسابات الفئوية والشخصية. فما تغير ليس مجرد الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركا من أجل تسوية سياسية تعيد للبنان الأرض والسيادة. وما لم يتغير ليس مجرد التمترس ضد المفاوضات خوفاً من حلّ لحساب البلد وعلى حساب سلاح الحرب الدائمة مهما تراكم الإنهيار وتوسع الإحتلال. والمشكلة هي أن يبدو ما تغير كأنه لم يتغير وبالعكس، وأن نخسر حتى ما سماها باراك أوباما «الجرأة على الأمل» في الكتاب الذي قاد أول أميركي ملون إلى البيت الأبيض.ولا شيء سهلاً، وإن جرى تصوره كذلك. فالرئيس دونالد ترامب يوحي أن تنقل المفاوضات بين وزارتي الخارجية والحرب والبيت الأبيض هو إشارة معبرة إلى أن الفرصة المفتوحة أمام لبنان أبعد من فرصة، وعلى الجميع في الداخل والخارج إلتقاط الإشارة. وليس أهم من الفرصة سوى أن يكون صاحبها مصراً على إبقاء النافذة مفتوحة، مهما تكن العقبات، وقادراً على فتح الطريق أمام تحويلها من فرصة إلى إنجاز. والأهم هو إخراج لبنان من اللعبة القاتلة في الصراع الإسرائيلي -الإيراني على أرضه ليكون جزءاً من خارطة التحولات الإستراتيجية والجيوسياسية للمنطقة. ومن الوهم الرهان على الدور الأميركي وحده لتحقيق كل ذلك من دون دور محلي لبناني قوي وأدوار عربية وأوروبية مساندة. ولا مهرب أمام اللبنانيين، مسؤولين وغير مسؤولين، من مواجهة العقدة الأساسية في المفاوضات، والجوهر في العقدة نفسها. أما العقدة التي يتوقف كل شيء في المسارين الأمني والسياسي على حلّها، فإنها سلاح»حزب الله». أما جوهر العقدة، فإنه دور السلاح في لبنان وخارجه، وفي قتال إسرائيل وقتال القوى الأخرى التي تقاتل إيران أو تشكل عقبة أمام مشروعها الإقليمي. والإنطباع السائد حالياً، بعد سنوات من الإستسهال، هو أن سحب السلاح بالقوة مسألة صعبة وخطرة وقد تؤدي إلى فوضى وحرب داخلية. وأقل ما يقوله الخبراء الإستراتيجيون الذين كثرت أعدادهم في هذه الأيام، هو أن الأخطر من قيام الجيش اللبناني بالمهة هو قيام القوات الإسرائيلية بها أو تقسيم المهمة بين قوات إسرائيلية وقوات سورية، حسب إقتراحات قوى مرتبطة بأميركا .والحيلة الرسمية اللبنانية لتغطية العجز هي التسليم بأن سحب السلاح هو»مسار»سياسي وإجتماعي وإقتصادي وأمني لتطبيق القرار المتخذ في مجلس الوزراء. وهي أيضاً الرهان على إقناع أميركا وإسرائيل بإنسحاب الإحتلال الإسرائيلي، بحيث ينزع ذلك من»الحزب»الذرائع للإحتفاظ بالسلاح ما دام الإحتلال قائماً. ومن المهم خلو لبنان من الإحتلال الإسرائيلي، لكن ذلك حدث في العام 2000 ثم تكرر بعد حرب 2006 من دون التخلي عن السلاح. لا بل رافقت ذلك مضاعفة التسلح والقوة. فالسلاح جزء من مشروع تحت عنوان «المقاومة» ضمن محور إقليمي تقوده إيران في إطار ولاية الفقيه. والحرص على ربط وقف النار هنا بوقف النار في حرب إيران والتفاوض على صفقة مع أميركا سببه الرهان أن الصفقة الإيرانية - الأميركية تكفل بقاء السلاح، في حين أن التسوية اللبنانية-الإسرائيلية تضمن سحب السلاح.وليس أمراً قليل الدلالات أن تظهر في الأونة الأخيرة دعوة تعني أن تصبح إيران جزءاً من «الوصاية» على لبنان بالإشتراك مع أميركا والسعودية. فكما يرى «الحزب» قوة مضافة إلى قوته هي إرتباطه بما يسميه «العمق الإقليمي الإيراني» ترى طهران في قوة «الحزب» وسلاحه قوة إضافية لها. ومن الوهم أن تتغير هذه الحسابات إن لم يتغير نظام الملالي.يقول مثل إيراني:»إذا كنت تستطيع حل عقدة بأصابعك، فلماذا تفكّها بأسنانك». لكن الجمهورية الإسلامية وأذرعها تصر على شدّ العقدة بالأصابع والأسنان.