الدولة تسعى إلى انسحاب تدريجي و"25 أيار" خارج معايدة مجلس الوزراء

6 دقائق للقراءة
عون في جلسة الحكومة: لبنان يضحّي عن غيره منذ أربعة عقود

ليس التوقيت تفصيلا عابرًا، ولا الحدث روحيًا محضًا. ففي زمن يتعرّض فيه لبنان لأبشع عملية خطف وتشويه لصورته وجوهره على يد "حزب الله"، يأتي توقيع البابا لاوون الرابع عشر مرسوم إعلان البطريرك إلياس الحويّك طوباويًا، ليشكّل ردًا وطنيًا وسياسيًا على مشروع "الممانعة" المناقض لفكرة الكيان. إنّه لحظة استنهاض للذاكرة المؤسِّسة، وتأكيد بأن هذه الأرض وُلدت للحرية والسلام، لا لتكون ساحة للخراب وحروب الآخرين.

ومن رمزية الحدث الروحي إلى الاستحقاق السياسي، يجد لبنان نفسه أمام امتحان مباشر ومفصلي في جلسة البنتاغون في 29 أيار الجاري. لن يكون السؤال محصورًا بالترتيبات الأمنية في الجنوب، بل بقدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها، ومقاربة ملف السلاح والحرب والحدود من موقع السلطة الشرعية، لا من موقع الدولة المحاصرة بقرار العصابة الخارجة عن القانون.


لا اتصال بين بعبدا والضاحية

في هذا السياق، تؤكد مصادر مواكبة أن رئيس الجمهورية جوزاف عون يواصل العمل على تشكيل الوفد العسكري اللبناني بالتشاور مع المعنيين، استعدادًا للاستحقاق المرتقب في واشنطن. غير أن هذا المسار يبقى محكومًا بتعقيدات داخلية، إذ لم يُسجّل حتى الآن أي تواصل بين عون و"الحزب"، فيما لا تزال القنوات مع رئيس مجلس النواب نبيه بري غير مباشرة. أما على الخط مع الأميركيين، فلم تفضِ الاتصالات راهنًا إلى نتيجة في مسألة وقف إطلاق النار، ما يجعل هذا الملف مرشحًا لتصدّر جدول البحث في جلسة البنتاغون.

غير أن وقف النار، على أهميته، لن يكون سوى المدخل إلى الإشكالية الأهم: من يملك القرار الأمني في الجنوب؟ ففي هذا الإطار، ووفق مصدر رسمي لبناني لـ"نداء الوطن"، يستعد الوفد اللبناني لطرح مقاربة تقوم على انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من الجنوب، يقابله توسيع انتشار الجيش اللبناني وتعزيز حضوره الميداني في المنطقة. غير أن هذه الصيغة لا تبدو كافية لتبديد الهواجس داخل الإدارة الأميركية، في ظل شكوك أميركية وإسرائيلية عميقة، تغذيها، بحسب المصادر، "أدلة دامغة على تغلغل حزب الله في أجهزة الجيش والمخابرات".


جلسة البنتاغون اختبار سياديّ

وهنا تنتقل جلسة البنتاغون من كونها محطة تقنية إلى اختبار سياسي وسيادي بامتياز. فمن وجهة نظر واشنطن، لا تكمن العقدة في مبدأ الانسحاب وحده، بل في الضمانات وآليات المراقبة والتحقق. وبحسب مصدر في الكونغرس لمراسلة "نداء الوطن" في واشنطن، فإن أي مساعدات أميركية مستقبلية للجيش اللبناني لن تكون منفصلة عن شروط تنفيذية واضحة وقابلة للقياس. وعلى هذا الأساس، سيتعامل البنتاغون مع الاجتماع بوصفه اختبارًا لقدرة الجيش، بالأدلة العملية والأرقام الدقيقة، على التحرك باستقلالية في الجنوب. في المقابل، يشير مصدر عسكري أميركي إلى أن الإسرائيليين يصرّون على معايير رقابية صارمة تضمن ألا يتحوّل أي انسحاب إلى فرصة لإعادة تموضع "الحزب" خلف واجهة الجيش اللبناني.

وهذا ما يمنح العقوبات الأميركية الأخيرة بُعدًا يتجاوز إطارها المالي أو القانوني، إذ تأتي كجزء من المناخ نفسه الذي يسبق جلسة 29 أيار، وتصبّ في خانة الضغط على الدولة اللبنانية لإثبات قدرتها على الفصل بين مؤسساتها الشرعية ونفوذ "حزب الله". فواشنطن، التي تطالب في الاجتماع المرتقب بضمانات عملية حول استقلالية الجيش في الجنوب، وجدت في ملف الضباط المدرجين على لائحة العقوبات الأميركية دليلا إضافيًا تستخدمه لتشديد شروطها ورفع سقف الرقابة والتحقق. بذلك، تصبح العقوبات رسالة مزدوجة: تحذيرًا لمن تعتبرهم واشنطن ممرات نفوذ لـ"الحزب" داخل المؤسسات، ومؤشرًا إلى أن أي بحث في الانسحاب أو الدعم أو إعادة ترتيب الوضع الأمني في الجنوب لن ينفصل عن سؤال جوهري واحد: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تثبت أن قرارها الأمني والعسكري مستقل فعلا عن "حزب الله"؟

توازيًا، لفت مصدر أمني لوكالة "الصحافة الفرنسية" إلى أن رئيس دائرة التحليل في الأمن العام، العميد خطار ناصر الدين، كان مقرّبًا من المدير العام السابق للأمن العام عباس إبراهيم، ويتمتع بعلاقات جيدة مع المسؤول الأمني البارز في "حزب الله" وفيق صفا. وأضاف المصدر أن إدراج الضابطين، ناصر الدين ورئيس مكتب مخابرات الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية العقيد سامر حمادة على لائحة العقوبات، "يشكّل تحذيرًا لأي مسؤول أمني أو عسكري قد يطلب منه حزب الله أي معلومات". وتُظهر هذه العقوبات أن لا طرف محصّنًا، سواء كان داخل مؤسسات الدولة أو خارجها. وكان قد صدر عن قيادة الجيش اللبناني، مديرية التوجيه، وعن مكتب شؤون الإعلام في المديرية العامة للأمن العام بيانان منفصلان، أكدا ولاء عناصر المؤسستين والتزامهم تنفيذ الأوامر من دون أي "اعتبارات أو ضغوط" سياسية. وتحظر المؤسستان العسكرية والأمنية على أفرادهما الانخراط في أي نشاط سياسي أو حزبي.

بالعودة إلى الملفات الداخلية السياسية والاقتصادية والإنسانية، انعقد مجلس الوزراء أمس في بعبدا، حيث اعتبر رئيس الجمهورية جوزاف عون، في مستهل الجلسة، أن لبنان يقدّر تمامًا معنى عيد الأضحى المبارك، "كونه يضحّي عن غيره منذ نحو أربعة عقود"، آملًا أن "نشهد التحرير الكامل والنهائي للبنان". وكان لافتًا في هذا السياق، وفق مراقبين، أن الحكومة اكتفت بمعايدة اللبنانيين بعيد الأضحى، من دون التوقف عند ما يسمى بـ "عيد المقاومة والتحرير"، في موقف قرأته المصادر على أنه ينسجم مع واقع الجنوب المدمّر والمحتل في أجزاء منه، نتيجة الحروب التي جرّ إليها "حزب الله" لبنان.

وتطرّق عون إلى العمل الذي تقوم به الوزارات المعنيّة بأوضاع النازحين اللبنانيين، والأجهزة العسكرية والأمنية، والصليب الأحمر والدفاع المدني، وغيرها من الأجهزة التي تعمل على مدار الساعة لتأمين الحدّ الأدنى من المتطلّبات اليومية للنازحين والتخفيف، ولو قليلًا، من معاناتهم.

بعد الجلسة ذكر وزير الإعلام بول مرقص، أنّ "رئيس الحكومة نوّاف سلام تحدث عن إنشاء لجنة عليا مشتركة بين لبنان وسوريا، وأنّ لبنان يتطلع إلى إقامة علاقة بين دولة ودولة بناءً على مصالح مشتركة"، كاشفًا أنّ "مجلس الأعمال اللبناني - السوري سيبصر النور قريبًا".

ميدانيًا، يتواصل التصعيد الإسرائيلي جنوبًا، إذ شنّ الطيران الإسرائيلي سلسلة غارات بالمسيّرات استهدفت النبطية وحاروف، والمنطقة الواقعة بين أنصار والزرارية، إضافة إلى قانا ودير قانون ومجدل زون وميفدون والحنية وتبنين والقليلة ودبعال وجويا والمنصوري ومحيط دوار كفرتبنيت. في المقابل، أعلن "حزب الله" أنه استهدف أمس، مربض المدفعية التابع للجيش الإسرائيلي في بلدة العديسة بمسيّرة انقضاضية. كما أوضح أنه استهدف منصة "القبة الحديدية" في ثكنة برانيت بمحلّقة من طائرات "أبابيل" الانقضاضية، مؤكدًا إصابة الهدف. وأضاف أنه استهدف بمسيّرة ناقلة جند تابعة للجيش الإسرائيلي في موقع الراهب.