بعد الأجواء الإيجابية التي شهدتها المنطقة السبت، إثر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرب التوصّل إلى مذكرة تفاهم مع إيران، من شأنها تمديد وقف النار وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، على أن يجري التفاوض على اتفاق شامل حول الملفات الشائكة خلال فترة التمديد، أعاد الرئيس الأميركي أمس ضبط التفاؤل السائد بكشفه أنه أبلغ ممثليه "ألّا يتسرّعوا في التوصّل إلى اتفاق، لأن الوقت في مصلحتنا"، مؤكدًا أن الحصار على الموانئ الإيرانية "سيبقى نافذًا بالكامل وبكل قوّته حتى يتمّ التوصّل إلى اتفاق، والتصديق عليه، وتوقيعه"، بينما تطالب طهران برفع الحصار كجزء من مذكرة التفاهم، كما تتمسّك بالحفاظ على سيطرتها على هرمز، وبتحرير الأموال الإيرانية المجمّدة، وبرفع العقوبات، قبل تقديم تعهّدات نووية جدّية، الأمر الذي يشي بأن توقيع مذكرة التفاهم سيحتاج إلى مزيد من الوقت.
توحي التسريبات بأن الاتفاق بين واشنطن وطهران بات في متناول اليد، بيد أن الشيطان يكمن في التفاصيل. وما أكثر التفاصيل المهمّة والمعقّدة. وصف ترامب الاتفاق النووي الذي عقده الرئيس الأسبق باراك أوباما مع الملالي بأنه "إحدى أسوأ الصفقات التي أبرمتها بلادنا على الإطلاق"، إذ "كان طريقًا مباشرًا نحو تطوير إيران سلاحًا نوويًا"، جازمًا بأن "الأمر ليس كذلك مع الصفقة التي تتفاوض عليها حاليًا إدارة ترامب مع إيران، بل العكس تمامًا في الواقع". وفي وقت وجّه فيه بعض كبار المشرّعين الجمهوريين انتقادات إلى ترامب حول ما سرّبته وسائل إعلام من بنود مفترضة لمذكرة التفاهم، أوضح أن المذكرة لم يطّلع عليها أحد، "بل إنه لم يُتفاوض عليها بالكامل بعد. لذلك، لا تصغوا إلى الفاشلين الذين ينتقدون أمرًا لا يعرفون عنه شيئًا"، مؤكدًا أنه لا يبرم صفقات سيّئة.
ومع توالي تشديد وسائل الإعلام الإيرانية على أن طهران لم تقدّم حاليًا أي تعهّد في شأن المسائل المرتبطة بالملف النووي، التي "ستُبحث خلال 60 يومًا من توقيع التفاهم"، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يزور الهند، لصحيفة "نيويورك تايمز": "لن نؤجّل الأمر إلى وقت لاحق. المحادثات النووية مسائل فنية للغاية. لا يمكن الاتفاق على مسألة نووية في غضون 72 ساعة". وكانت الصحيفة الأميركية نقلت عن مسؤولين أميركيَّين أن عنصرًا أساسيًّا في الاتفاق المقترح يتمثل في تعهّد طهران التخلّي عن مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب. وبحسب الصحيفة، ستناقش سبل قيام طهران بذلك في "جولة لاحقة من المفاوضات في شأن برنامج إيران النووي".
وكان لافتًا ما كشفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن أنه أجرى السبت محادثات مع ترامب "في شأن مذكرة التفاهم لإعادة فتح مضيق هرمز والمفاوضات المقبلة للتوصّل إلى اتفاق نهائي حول برنامج إيران النووي"، موضحًا أنه اتفق معه "على أن أي اتفاق نهائي مع إيران يجب أن يزيل الخطر النووي، وهذا يعني تفكيك مواقع التخصيب الإيرانية وإخراج المواد النووية المخصّبة من أراضيها". وجزم بأن "سياستي، مثل سياسة الرئيس ترامب، لا تزال من دون تغيير: إيران لن تمتلك أسلحة نووية"، مشيرًا إلى أن ترامب "أعاد تأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان".
في المقابل، أوضح مصدر إيراني كبير لوكالة "رويترز" أن المذكرة، إذا حظيت بموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فستُحال إلى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي للحصول على الموافقة النهائية، لكن وكالة "تسنيم" أكدت أن الخلافات لا تزال قائمة حول بند أو بندين في المذكرة، خصوصًا مسألة تحرير الأموال الإيرانية المجمّدة، محذرة من أنه لن يكون هناك تفاهم نهائي إذا واصلت واشنطن وضع العراقيل. وأفادت وكالة "فارس" بأن الاتفاق ينصّ بالفعل على فتح المضيق، على أن يبقى تحت سيطرة إيران، كما تحدّثت عن أن العقوبات على صادرات إيران من النفط والغاز ومنتجات بتروكيماوية أخرى ستُرفع أيضًا خلال فترة استمرار المفاوضات، في حين نقلت شبكة "سي أن أن" عن مسؤول أميركي تأكيده أن رفع العقوبات وفكّ التجميد عن أصول إيران لن يحصلا إلا بفتح هرمز والالتزام بالتفاوض في شأن البرنامج النووي.
وزعم المستشار العسكري للمرشد الإيراني محسن رضائي أن إدارة هرمز "حق قانوني" لطهران من أجل ضمان الأمن القومي، معتبرًا أن "إدارة إيران لمضيق هرمز تنهي 50 عامًا من انعدام الأمن في الخليج". وأفاد "الحرس الثوري" بأنه سمح لأكثر من 30 سفينة بعبور هرمز بين يومي السبت والأحد، بعد حصولها على إذن وتنسيق وحماية أمنية من بحرية "الحرس". وشددت "تسنيم" على أن المضيق "لن يعود إلى وضعه ما قبل الحرب"، موضحة أن طهران "تواصل تأكيد ممارسة سيادتها على مضيق هرمز بوسائل مختلفة".
توازيًا، أجرى نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، على رأس وفد دبلوماسي وقانوني، زيارة إلى سلطنة عُمان، حيث التقى وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، وبحث معه "مجموعة من المبادئ التي تحكم حرّية الملاحة عبر مضيق هرمز وفقًا لقواعد القانون الدولي"، وتبادلا "وجهات النظر والأفكار في ضوء المعطيات المستجدّة والحاجة إلى بناء وتطوير القدرات الكفيلة بضمان سلامة حركة الشحن والتجارة وسلاسل الإمداد"، حسب وكالة الأنباء العُمانية، في حين ادّعى غريب آبادي أن الجانبين استعرضا "مجموعة من المبادئ التي تنظّم مرور السفن عبر مضيق هرمز، بما يتوافق مع الأمن والسيادة الوطنية للدول الساحلية لهذا المضيق، وفي ضوء قواعد القانون الدولي المعمول بها".