داود رمال

روما السابعة كشفت عقدة الجنوب: القرار اللبناني في مواجهة الحسابات الإيرانية

5 دقائق للقراءة
القرار الإيراني بتسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني لم يصدر حتى الآن (رويترز)

شكّلت جولة المفاوضات السابعة في روما بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية نقطة تحوّل في طبيعة المقاربة اللبنانية للمفاوضات، بعدما اختار الوفد اللبناني أن يضع حدًا للمعادلة التي كانت تسمح باستمرار الحوار السياسي بالتوازي مع استمرار الوقائع العسكرية على الأرض. فقد جاء قرار وقف الجولة لبنانيًا، بقيادة رئيس الوفد السفير سيمون كرم، في مواجهة تفاوضية غير مسبوقة، انطلقت من قاعدة مفادها أن العودة إلى طاولة التفاوض لا يمكن أن تتم في ظل استمرار الأعمال العدائية. فالجانب اللبناني لم يعد يتعامل مع الانتهاكات باعتبارها أحداثًا منفصلة يمكن تجاوزها أثناء التفاوض، وإنما باعتبارها عنصرًا ينسف أساس العملية التفاوضية نفسها، من استباحة الأجواء اللبنانية إلى القصف والغارات، مرورًا بعمليات التجريف والتفجير التي تترك وقائع ميدانية يصعب فصلها عن أي نقاش حول مستقبل الجنوب وترتيباته الأمنية.

وتكمن أهمية الموقف اللبناني في أنه حدد المطلوب الذي لم يعد اتفاقًا نظريًا على خطوط أمنية أو ترتيبات ميدانية، بل وقف فعلي للأعمال العدائية يسمح بإنتاج مسار سياسي قابل للاستمرار. ومن هنا اكتسبت مواجهة السفير كرم دلالتها، باعتبارها محاولة لوضع المفاوضات أمام اختبار حقيقي: هل يمكن بناء تفاهم بينما يستمر تغيير الوقائع على الأرض، أم أن تثبيت الهدوء يجب أن يكون المدخل الإلزامي لأي بحث لاحق؟

وفي المقابل، برزت في المشهد نقطة قوة لبنانية مختلفة، توقف عندها الوسيط الأميركي وقرأها بإيجابية ذات وزن سياسي وأمني، تمثلت في حركة العودة الشيعية إلى الجنوب. فعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم حملت رسالة سياسية واضحة مفادها أن السكان يريدون استعادة حياتهم الطبيعية، وأن الجنوب لا يمكن أن يبقى ساحة مفتوحة لحسابات الحرب الإقليمية. والأهم أن هذه العودة جرت رغم إرادة قوى الأمر الواقع، وفي مقدمتها "حزب الله"، الذي يرتبط موقفه من حركة السكان بحساباته العسكرية والاستراتيجية، وباحتمالات تطور الحرب الأميركية  الإيرانية والاستعدادات المرتبطة بما يُنظر إليه كسيناريو حرب ثالثة بالغة الخطورة والكلفة.

وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: هل يملك "حزب الله" فعلا القدرة على خوض حرب جديدة؟ المسألة لم تعد مرتبطة فقط بالقرار السياسي أو بالرغبة في المواجهة، وإنما بالقدرة العسكرية والبيئة الداخلية والظروف الإقليمية التي تحيط بأي قرار من هذا النوع. ولذلك، فإن عودة السكان إلى الجنوب تكتسب أهمية مضاعفة، لأنها تكشف أن هناك مصالح اجتماعية وحياتية تتعارض بصورة متزايدة مع استمرار منطق الحرب، وتضع القوى التي اعتادت التحكم بإيقاع الجنوب أمام واقع مختلف، عنوانه أن السكان يريدون العودة، وأن الدولة مطالبة بأن تكون صاحبة القرار الأمني.

وفي قلب هذه المعادلة يبرز ملف علي الطاهر، الذي يبدو أنه يشكل إحدى أكثر النقاط خطورة في الجهود الجارية بعيدًا من الأضواء. فهناك مساعٍ حثيثة، يحيط بها تكتم شديد، لإنجاح صيغة طُرحت منذ جولات مفاوضات واشنطن، وتقوم على انتقال السيطرة على علي الطاهر إلى الجيش اللبناني. وهذه الصيغة، إذا نجحت، قد تفتح الباب أمام إعادة تركيب المشهد الميداني برمته، لأن وجود الجيش اللبناني وسيطرته المباشرة على المنطقة يمكن أن يشكلا أساسًا لإلزام إسرائيل بالانسحاب إلى جنوب الليطاني من زوطر الشرقية وأرنون ويحمر وكفرتبنيت وقلعة الشقيف.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تضرب جوهر الذريعة الإسرائيلية للبقاء شمال الليطاني. فإذا أصبحت المنطقة تحت سيطرة الجيش اللبناني، وانتقلت مسؤولية الأمن فيها إلى مؤسسات الدولة، يصبح من الصعب تبرير استمرار الاحتلال الإسرائيلي على أساس غياب السلطة اللبنانية أو وجود تهديد عسكري خارج إطار الدولة. عندها يمكن أن يتحول انتشار الجيش إلى ورقة سياسية تسمح بفتح الطريق أمام انسحاب إسرائيلي أوسع، وتعيد تثبيت معادلة الدولة في مواجهة منطق المناطق العسكرية المفتوحة.

غير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الصيغة نفسها، ولا في منطق تسليم علي الطاهر للجيش، بل في الجهة التي تملك القرار الفعلي بالسماح بهذا الانتقال. وهنا تدخل إيران مباشرة في صلب المعادلة، إذ إن القرار الإيراني بتسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني لم يصدر حتى الآن، وفق المعطيات المتداولة، رغم أن طهران هي الأكثر إدراكًا لحقيقة القدرات الحالية لـ "حزب الله" وحدود قدرته على الدخول في حرب جديدة.

لذلك، فإن العقدة التي تواجه مسار روما ليست تقنية بقدر ما هي سياسية واستراتيجية. فالمعادلة باتت واضحة، وهي أن لبنان يريد وقف الأعمال العدائية قبل العودة إلى التفاوض، والجنوبيون يرسخون حقهم في العودة إلى أرضهم، والجيش اللبناني يمكن أن يشكل المدخل إلى استعادة السيطرة الرسمية على مناطق حساسة، فيما يبقى القرار الإيراني هو الحلقة التي يمكن أن تفتح الطريق أمام هذه الصيغة أو تعطلها. وبين هذه المستويات المتشابكة، تبدو جولة روما السابعة وكأنها وضعت للمرة الأولى عناصر التسوية الحقيقية على الطاولة: وقف الحرب، عودة السكان، استعادة الدولة لقرارها، وإنهاء المبررات التي تسمح باستمرار الاحتلال شمال الليطاني. ويبقى السؤال الأهم: هل تُمنح الدولة اللبنانية هذه الفرصة، أم أن حسابات الإقليم ستبقي الجنوب عالقًا في دائرة الحرب؟