يعيش اللبناني العادي سجالات شبه يومية، في كل مناسبة وغير مناسبة، بشأن ما يوصف بالدستور أو بمصطلح "النظام". ويعيش سجالات دائمة حول مصطلح "الطائفية" و"الطائفية السياسية"، مع رغبة سحرية ومستقبلية في "الإلغاء"!
طوال مراحل الأزمات في السنوات 1975-1990، ومع تضخّم اقتراحات إصلاحية من قبل من وصفهم وضاح شراره بـ "الورّاقين"، أي مقدّمي الأوراق الإصلاحية، مقارنةً بعمّال "الورقة" و"التوريق" في الطرش و"الدهان"، وصف غسان تويني الظاهرة العامة والمستدامة بـ "العصفورية الدستورية"! هل نعيش، ولا نزال، في "عصفورية دستورية"، أو سوق عكاظ دستورية، أو بالأحرى لا دستورية؟
1. سجالات ومبارزات
ما مضمون السجالات والمبارزات بشأن الدستور والميثاق والنظام وميثاق الطائف؟ لا تتصف عصفوريتنا الدستورية بالتحديد والتوضيح والتصويب. نسمع طروحات تكرارية ببغائية حول الشؤون التالية: لبنان الكبير وهذه المرحلة التاريخية التأسيسية، اللامركزية الإدارية أو السياسية وحتى المالية، "الميثاقية"، "الترويكا"، "الرؤساء الثلاثة"، "ميثاق الطائف الذي قلب الأمور رأسًا على عقب".
حسب أحد القانونيين، هناك ضرورة لمراجعة ميثاق الطائف وتعديله، ومعالجة "الثغرات" في الدستور، والتفسير وتوافر مرجعية في التفسير، وصلاحيات رئيس الجمهورية وتقليص هذه الصلاحيات، والعمل على تطبيق كامل ميثاق الطائف، وإلغاء "الطائفية" وأيضًا "الطائفية السياسية"، وإنشاء مجلس شيوخ، ومعالجة "الثغرات" في الدستور والعمل على ورشة تعديل في دستور 1990، و"عقلنة" النظام الدستوري اللبناني من دون توضيح العقلنة مؤسساتيًا وثقافيًا في واقع "العصفورية"، وأحجام وحصص وحصة رئيس الجمهورية.
خلال ندوة جمعت أكثر من ثلاثين من المشاركين والعاملين في الحياة العامة، ولدى التطرّق إلى المادة 95 من الدستور و"الطائفية"، قال أحد "الخبراء"، بثقة مطلقة: هذه المادة لا مثيل لها في الدساتير عالميًا! وزّعتُ حينئذٍ لائحة بثلاثة مراجع عالمية ومقارنة بعنوان: الأديان والقانون، حيث يرد تفصيلا اعتماد وتطبيق قاعدة ما يوصف بالتمييز الإيجابي في أكثر من أربعين دولة في عالم اليوم، وبصيغ محدودة ومعيارية. وعرضتُ دراسة دستورية مقارنة تشمل أكثر من أربعين دولة في عالم اليوم. لكن من يسعى إلى اعتماد منهجية علمية ومقارنة في مواجهة "العصفورية الدستورية"، يتم زجّه في "العصفورية" وفي خطاب السوق، ووصفه بأنه يدافع عن "الصيغة اللبنانية".
وما معنى "الصيغة اللبنانية؟" هنا مصطلح آخر بالغ الغموض في الثقافة السائدة. كان يوصف النظام الدستوري اللبناني بأنه "فريد من نوعه" sui generis من خلال المقارنة بأنظمة في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية... عقدنا مؤتمرات عدة في الخارج وفي لبنان منذ الثمانينات حول الأنظمة الموصوفة بـ "الخاصة": لبنان، سويسرا، بلجيكا، النمسا، البلاد المنخفضة، لوكسمبورغ، جزيرة موريس، جزر فيجي، أفريقيا الجنوبية، أيرلندا الشمالية، نيجيريا، غانا، الهند...
انساق لبنانيون، بدلا من اعتماد منهجية في الدراسة، إلى اعتبار الدراسات المقارنة عقيدة doctrine أو فلسفة، في حين هي تصنيف classification لبعض الأنظمة. الحاجة تاليًا ليست إلى النقد ولا إلى التبرير، بل إلى الغوص في تحديد الشروط المؤسساتية في التطبيق والفعالية. على العكس، تمّ فتح أجنحة أخرى إضافية في مستشفى "العصفورية اللبنانية" مع مصطلحات مستجدة: توافق، مشاركة، ميثاقية، ثلث، تعطيل...! خلال ندوات عدة، كان هاجس بعض المشاركين ليس البحث في الانتظام العام في الدستور اللبناني وتطبيقه استنادًا إلى معايير دستورية عالمية، بل البحث في الوسائل اللبنانية في التعطيل والهيمنة.
2. "الأبواب الموصدة"
هل تكون مئوية دستور 1926 مجالا لتوسيع أجنحة مستشفى العصفورية الدستورية لدى اللبنانيين، أم مجالا لاستخلاص الثوابت من خلال الاختبار والاختمار التاريخي في البناء الدستوري اللبناني؟ هذا البناء هو اليوم، من منظور عالمي ومقارن في ما يتعلق بالإدارة الديمقراطية للتعددية الدينية والثقافية، من أرقى الدساتير عالميًا. أما في التطبيق والذهنية الدستورية السائدة، فقد يكون الأسوأ عالميًا.
***
هل تكون مئوية الدستور اللبناني مناسبة لتوسيع "عصفورية دستورية" من الماضي، مع مصطلحات مستجدة وملوّثة، أم مناسبة لاستخلاص الثوابت من خلال مجمل الاختبار والاختمار التاريخي الطويل منذ 1860 على الأقل، دعمًا للشرعية الدستورية légitimité وسموّ الدستور، وتعميمًا لثقافة دستورية يفتقر إليها اللبنانيون، وحتى الاختصاصيون، وفي سبيل بناء توبة قومية رادعة؟ ننطلق هنا من الكلمة الافتتاحية للرئيس حسين الحسيني في افتتاح مؤتمر الطائف في 30/9/1989، حيث يكرّر سبع مرات: "تجنّب الطرق المسدودة":
"إن خبرتكم سوف تجنّبكم سلوك الطرق المسدودة، فمن الطرق المسدودة أن نتصور أن فئة، مهما يكبر عددها أو يشتدّ ساعدها، قد تنجح في فرض رأيها وتطلعاتها على الفئات الأخرى.
ومن الطرق المسدودة أن نتوهّم أن الحل قد يكون حلا، إذ انطوى على إبعاد أي فئة، مهما يقلّ عددها، أو تظهر مغلوبة على أمرها.
ومن الطرق المسدودة أن نتجه إلى الجمع والتلفيق بين المطالب المتضاربة المتناقضة لكل الفئات، وأن نتوهّم من بعد، أن في ذلك صلاحًا للمجتمع وقيامًا للدولة.
ومن الطرق المسدودة أن نتوهّم دولة ذات قوانين ومؤسسات على تناقض مع تكوين المجتمع، تقفز فوق واقعه أو تتجاهل ضرورة تطوّره.
ومن الطرق المسدودة أن نفترض أن صيغة جامدة عاجزة عن مواجهة الواقع المتغيّر، مقفلة دون آفاق المستقبل".
عضو المجلس الدستوري، 2009-2019