منذ سنوات طويلة، اعتاد أهالي القليعات وقرى سهل عكار النظر إلى مطار رينيه معوّض كحلمٍ مؤجّل أكثر منه مشروعًا قابلًا للحياة. مساحة واسعة تمتد في قلب السهل، مدرّجات صامتة، يعلوها السكون، وموقع ظلّ لعقود يحمل وعودًا أكثر مما يحمل حركة.
ومع ذلك، بقي المطار في الوعي الشعبي لأبناء المنطقة ليس مجرد منشأة مهجورة، بل احتمالًا دائمًا لنهضة مؤجلة أو لم تأتِ بعد. اليوم، وبعد إعلان وزارة الأشغال تلزيم تشغيل المطار لشركة "Sky Lounge"، تعود القليعات وسهل عكار إلى لحظة مختلفة تمامًا. ليست لحظة احتفال كامل، ولا حالة انتظار صامت، بل مزيج دقيق بين الأمل والحذر، بين ذاكرة طويلة من المشاريع المؤجّلة ورغبة متجددة في أن يكون هذه المرة المسار مختلفًا. فالمطار، الذي بقي لسنوات رمزًا للتوقف، يتحوّل تدريجيًا إلى عنوان لمرحلة من العمل يُفترض أنها تبدأ فعليًا على الأرض.
"نداء الوطن" جالت في القرى المحيطة بالمطار، قد لا يحتاج الزائر إلى كثير من التدقيق ليلاحظ أن المكان تغيّر مزاجه. الحديث عن المطار لم يعد موضوعًا موسميًا أو مرتبطًا بتصريحات عابرة، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. في المقاهي الصغيرة، في المحال، على مفارق الطرقات، وفي جلسات الناس واجتماعاتهم؛ يتكرر السؤال نفسه بصيغ مختلفة: متى يبدأ العمل؟ كيف ستكون المرحلة المقبلة؟ وهل سيختلف هذا المشروع هذه المرة عن كل ما سبقه من وعود؟
الأطفال ينتظرون أيضًا
حتى الأطفال في القليعات، الذين اعتادوا اللعب قرب قلعة البلدة الأثرية، المتروكة للإهمال من قِبل الدولة، دخلوا هم أيضًا في هذا المشهد الجديد على طريقتهم الخاصة. يتحدّثون ببساطة عن طائرات ستعود إلى السماء، وعن حركة غير مألوفة ستغيّر شكل المكان الذي اعتادوا رؤيته ساكنًا. وفي الخلفية، يقف الأهالي على شرفات المنازل المواجهة للمطار في المساء، يراقبون المدى المفتوح أمامهم، وكأنهم يحاولون تخيّل صورة مختلفة تمامًا عن المنطقة التي يعيشون فيها اليوم.
ماذا عن الزراعة؟
في هذا المشهد، لا يبدو المطار مجرد مشروع بنية تحتية، بل مساحة لإعادة التفكير بالحياة اليومية في عكار ولاسيما في منطقة السهل. المنطقة التي اعتمدت تاريخيًا على الزراعة كمورد أساسي، إلى جانب بعض الوظائف في القطاعين العسكري والعام، وعلى الهجرة الداخلية نحو المدن بحثًا عن فرص العمل، تجد نفسها أمام فكرة مختلفة: إمكانية أن يصبح العمل أقرب، وأن تتحول الحركة بدل أن تكون باتجاه الخارج إلى حركة داخلية تتمحور حول المنطقة نفسها. المواسم الزراعية التي لطالما عانت من ضيق الأسواق، قد تجد منفذًا جديدًا. التجارة المحلية التي تعتمد على حركة محدودة، قد تدخل في دورة أوسع. والشباب الذين اعتادوا السفر يوميًا أو الانتقال إلى بيروت وطرابلس للعمل، قد يجدون أنفسهم أمام احتمالات لم تكن مطروحة سابقًا.
العمل البلدي المشترك:
يتحدث رئيس بلدية القليعات وعضو لجان المتابعة لتشغيل المطار الدكتور عبدالرزاق خشفة بحماسة وفرحة واضحة عن هذه المرحلة، ويعتبرها مسارًا يبدأ بالتشكّل. يتوقف عند فكرة التحضير، عند العمل البلدي المشترك، لاسيما مع الجارة بلدية المقيطع - تلحياة، وعند الجهد القائم لإعادة تصنيف الأراضي وتهيئة البيئة الاستثمارية المحيطة بالمطار. بالنسبة له، لا يبدو المشروع حدثًا إداريًا فقط، بل تحوّلًا طويل المدى في بنية المنطقة الاقتصادية والاجتماعية.
ويستعيد خشفة مسار السنوات الماضية، حين كان المطار حاضرًا في النقاش العام كفكرة مؤجلة، أو كملف يحتاج إلى قرار سياسي أكبر من حدود البلديات. لكنه اليوم، بحسب تعبيره، يدخل مرحلة مختلفة، حيث ينتقل من خانة الطموح إلى خانة التنفيذ. ومع هذا التحول، يربط خشفة بين المطار وبين إمكانية إعادة تشكيل علاقة عكار بدولتها، وباقتصادها، وبموقعها داخل الخريطة الإنمائية اللبنانية.
ولا ينسى خشفة أن يشكر كل من كانت له مساهمة في الوصول إلى هذا الإنجاز ولو بكلمة أو موقف، ولاسيما الرؤساء الثلاثة ووزير الأشغال والنواب ورجال الدين والهيئات الاقتصادية وغرفة طرابلس والشمال ورؤساء البلديات ولجان المتابعة، وكل الفاعليات على اختلافها، والأهالي الذين لم يملّوا الطلب يومًا، وهو ما أدّى اليوم إلى أن يصل مطار القليعات ليكون واقعًا.
كذلك رئيس بلدية تلحياة – المقيطع أحمد خضر خالد، يقرأ المشهد بتفاؤل، يتحدث بهدوء عن منطقة بأكملها تدخل مرحلة جديدة، لا تقوم فقط على تشغيل منشأة، بل على إعادة توزيع الحركة الاقتصادية والخدماتية في الشمال. بالنسبة له، المطار ليس نقطة معزولة، بل جزء من شبكة تحتاج إلى تكامل: طرقات، بنى تحتية، وخدمات مرافقة تجعل من المشروع قابلًا للحياة وليس مجرد تشغيل تقني.
وفي موازاة ذلك، يظهر البُعد الشعبي للمشروع بوضوح أكبر. أحمد عزت درويش ينظر إلى المطار كفرصة لا يجب تفويتها، ليس فقط لعكار بل للبنان ككل. في كلامه، إحساس بأن اللحظة الحالية تحمل نافذة زمنية محدودة، وأن الاستثمار فيها قد يحدد شكل المنطقة لسنوات طويلة مقبلة، بينما إهمالها قد يعيدها إلى دائرة الانتظار نفسها. مصطفى خشفة، يتحدث عن المشروع كتحول في نمط الحياة قبل أن يكون تحولًا في البنية الاقتصادية. فبدل أن تكون بيروت وطرابلس وجهة دائمة للبحث عن العمل، قد تصبح المنطقة نفسها مركزًا للفرص.
عطية: أنا مرتاح
في المقابل، يتحدث النائب سجيع عطية عن المشروع بلغة أكثر ارتباطًا بالمسار التنفيذي. يعتبر أن المطار دخل فعليًا في مرحلة لا عودة فيها، وأن مهلة الأشهر الثلاثة المطروحة مهلة معقولة، وهي ليست سوى إطار زمني لبدء التشغيل. لكنه في الوقت نفسه يذهب أبعد من ذلك، حين يربط المطار بفكرة التحوّل الاقتصادي الشامل في الشمال وتوسّع هذه المشاريع بالتعاون مع سوريا التي تبدي كل اهتمام. في رؤيته، لا يقتصر الأمر على تشغيل مدرج أو استقبال طائرات، بل على خلق منظومة اقتصادية متكاملة: استثمارات، سياحة، تجارة، وزراعة مرتبطة بأسواق أوسع. ويتحدث عن تحفيزات قانونية قيد البحث، وعن ضرورة تخفيف الرسوم، وعن فتح الباب أمام شركات الطيران والاستثمار، بما يضع المنطقة على مسار اقتصادي مختلف عما عرفته لعقود.
كما يربط عطية المشروع بالبنية التحتية المحيطة به، خصوصًا الطرقات التي ستؤدي إليه، والتي يُعمل عليها، معتبرًا أن نجاح المطار لا ينفصل عن قدرة المنطقة على استقبال الحركة الجديدة وتسهيلها. فالمطار، في نظره، ليس نقطة وصول فقط، بل نقطة انطلاق لدورة اقتصادية متكاملة تحتاجها عكار وكل لبنان.
ويلفت إلى أن المطار سيكون قنبلة إنمائية للشمال، هذه المنطقة القادمة على مرحلة إنمائية حقيقية تعيد رسم صورة مختلفة لها تمامًا عما كان عليه الواقع في السابق، وإن مشروع المطار سيعكس الصورة الحقيقية عن التعاون المثمر بين المجلس النيابي والحكومة، مدعوماً بخطاب القسم لرئيس الجمهورية، وبتضافر كتلة نواب المنطقة لهذا الهدف والأسبوع المقبل سيسلم الجيش المطار ثم ستحطّ طائرة لجنة الأشغال والطاقة على أرضه.
ورغم هذا المشهد المليء بالتفاصيل والتوقعات، تبقى في الخلفية ذاكرة طويلة من المشاريع التي بقيت في حدود التصريحات الرسمية ولم تتعداها. أبناء عكار الذين عاشوا سنوات طويلة بين الوعود والانتظار، ينظرون إلى هذه المرحلة بعين مختلفة هذه المرة. ليس تشكيكًا، ولا تفاؤلًا مطلقًا، بل حالة من الترقّب المشوب بالحذر.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا على مساحة أوسع من حدود المشروع نفسه: هل يتحول مطار القليعات هذه المرة إلى بوابة فعلية للتغيير فيغيّر واقع المنطقة التنموية والاقتصادي؟.