الدكتور سايد حرقص

خريف الدولة العميقة...

3 دقائق للقراءة

لم يعد المشهد اللبناني مجرد ساحة مفتوحة لإدارة الأزمات، أو صندوق بريد لتبادل الرسائل الساخنة. ثمة زلزال صامت يضرب الجذور، ويدق أول مسمار في نعش منظومة ظنّت يوماً أنها عصية على الانكسار. ما نشهده اليوم من استهداف أميركي ودولي متصاعد لبنية "الثنائي الشيعي" وشبكات نفوذه، ليس تفصيلاً عابراً في أجندة العقوبات، بل هو إعلان صريح عن حلول بداية "خريف الدولة العميقة" في لبنان.

هذا الخريف لا يسقط أوراقاً ذابلة فحسب، بل يقتلع جذور أشجار هجينة غريبة حاولت تغيير صورة بلد الارز واستأثر بمفاصل الوطن لعقود؛ تحالف "المافيا والميليشيا" الذي وُلد من رحم تطبيق "الطائف"، وتغذّى على عسكرة المجتمع، وتكرّس زواج مصالح في "مار مخايل"، تحول اليوم إلى غولٍ يلتهم هوية لبنان وسيادته.

مع وصول الرئيس الاميركي دونالد ترمب تغيرت جذريا المقاربة الاميركية للعبة السياسية اللبنانية. لسنوات، ساد وهمٌ بأن مشكلة لبنان تختصرها "فوهة بندقية" أو مخزن صواريخ، فكان العقم سيد الأحكام. أما اليوم، فقد انتقلت الاستراتيجية من تتبع السلاح كظاهرة معزولة، إلى ملاحقة "المنظومة الشرعية" التي تحميه.

العقوبات التي تتساقط كحجارة الدومينو على وزراء، ونواب، وضباط، وشبكات مالية، ليست مجرد قصاص مالي؛ إنها عملية "جراحية" لنزع الغطاء الإداري والشرعي عن الدويلة. إنها محاولة لرفع الحصانة المزيّفة عن رجالات الدولة العميقة الذين حوّلوا مؤسسات الدولة الرسمية إلى دروع "شرعية" لحماية مشروع "غير شرعي" لا يشبه لبنان في شيء.

لم تكن الدولة العميقة في لبنان شبكة أشباح، بل كانت أخطبوطاً علنياً يمتص دماء المؤسسات. لقد تحول البلد إلى هيكل عظمي لأن المنظومة احتلت شرايينه الحيوية بحيث جرى تدجين القضاء وتحويل أقواس المحاكم إلى متاريس لحماية الفاسدين ولفلفة الجرائم والاقتصاص من اللبنانيين الاحرار وتحولت المرافئ، والحدود، والجمارك، والمطار، إلى بوابات مشرعة للاقتصاد الموازي والتهريب وأُفرغت السلطتان التشريعية والتنفيذية من مضمونهما، وصار "الفيتو الميثاقي" سيفاً مصلتاً لتعطيل أي نفس إصلاحي أو إنقاذي.

اليوم، يوضع هذا الأخطبوط تحت المجهر الأميركي. لم يعد بإمكان فاسد أن يتغطى بسلاح، ولم يعد بإمكان حامل سلاح أن يشتري صمت فاسد.

أمام هذا المشهد المتسارع، يقف اللبنانيون على رصيف الانتظار بين قراءتين تفيضان بالقلق والأمل: قراءة ترى في هذا الضغط البنيوي فرصة تاريخية لا تتكرر، لانتشال الجمهورية من قعر الانهيار، وإعادة إنتاجها على أسس "حصرية السلاح" بيد الجيش، واستعادة هيبة القضاء، وتحرير القرار الوطني من الارتهان لمحاور الإقليم وقراءة متوجسة ترى أن تفكيك شبكات الأمان للمنظومة قد يدفعها إلى الانتحار الشمشوني، وتحويل الداخل اللبناني إلى ساحة تفجير أخيرة دفاعاً عن معاقلها الحصينة، ربطاً بالصراع الإقليمي الكبير.

إن "خريف الدولة العميقة" ليس مجرد توصيف سياسي، بل هو حقيقة ساطعة يراها بالعين المجردة كل من يراقب ترهل أوراق المنظومة وتآكل شرعيتها الدولية والمحلية. المقاربة الدولية تجاوزت "هندسة الانهيار" إلى "تدمير الأسس".

الجمهورية اللبنانية اليوم في مخاض عسير؛ فإما أن يسقط هذا التحالف المافياوي-الميليشياوي وتولد دولة المواطنة والسيادة من بين الركام، وإما أن تأخذ المنظومة معها ما تبقى من لافتة اسمها "لبنان". لكن الأكيد، أن زمن الإفلات من العقاب والتستر خلف المؤسسات قد ولى.. والخريف الذي بدأ، لن يستثني أحداً من قاطفي ثمار الفساد والارتهان.