وائل خير

أهل رأس بيروت البيض

4 دقائق للقراءة

بانتظار اكتمال الحضور، لاح لأحدنا أن ستة من السبعة الحاضرين أمضوا معظم سنيهم في رأس بيروت. ملاحظة أحيت ذكريات تبادلناها، مجمعين على أنها حقبة فاقت ثقافةً وتفاعلا ما عرفناه في "غربتنا". حنين حدا بأحدنا فوصفنا بـ"أهل رأس بيروت البيض"، تكنيةً بـ"الروس البيض" الذين تركوا روسيا، لكن روسيا التي افتخروا بها لم تتركهم.

"رأس بيروت" تعريف إداري كما هو مصطلح شعبي. المصطلح الشعبي أوسع بكثير، يغطي ما يكاد يكون الربع الغربي الشمالي للعاصمة.

ما التعريفان إلا وصف خارجي، هما صدفة، لا قيمة لها بذاتها. أما قيمتها الحقيقية فباللؤلؤة في جوفها، هي الجامعة الأميركية التي حوّلت مدينة تكاد لا تمتاز بشيء إلى منارة فكرية أضاءت منطقة امتدت من شرق المتوسط إلى أفغانستان.

البداية كانت متواضعة. ابتدأت كمؤسسة للتبشير عن طريق التعليم العالي تحت اسم الكلية السورية الإنجيلية. ارتفع قدر هذه "الكلية" في ما بعد، وباتت تُعرف بـ"الجامعة الأميركية في بيروت".

اختلفت بيروت قبيل تأسيس "الكلية الإنجيلية" عن بيروت التي نعرفها. زلزال ضخم تبعه تسونامي دمّرا بيروت في تموز 551 م، دخلت إثرهما حاضرة تكنّت بـ"أم الشرائع" في نوم استطال لأكثر من 1200 سنة، كانت بيروت طوالها مدينة صغيرة لا تزيد حجمًا على 4 أميال مربعة داخل سور يمتد من ما هو اليوم بيت الكتائب شرقًا، إلى الكبوشية غربًا، فالسراي باتجاه الجنوب، تنعطف شرقًا حتى مدخل الجميزة، ثم تستدير شمالا إلى بيت الكتائب. من بقايا تلك الفترة تسميات ما تزال تُستعمل كـ"البرج" و"باب إدريس" و"السرايا" و"الأسواق". أما "الباشورة" فكانت خارج السور، إذ المدافن تكون عادة خارج الحواضر. انتشرت خارج أسوار بيروت أراضٍ زراعية ما تزال تحتفظ بتسميات تُنسب إلى تلك الحقبة: "المزرعة"، أسماء أشجار: "الجميزة" و"الصنوبرة"، والكثير من الـ"أعين" والـ"آبار"، وأيضًا "البسطة" لبيع الخضار.

تلك كانت بيروت في مطلع القرن التاسع عشر، قبل إصلاحات السلطان محمود الثاني، تبعها احتلال إبراهيم باشا للمنطقة، حدثان دفعا قدمًا بحركة إصلاح لم يتمكن أخصامها من عطفها.

بيروت هذه أدخلت التعليم العالي الحديث إلى غرب آسيا عبر مؤسستين، الجامعة الأميركية منذ عام 1866، وبعدها في عام 1875 أسس اليسوعيون جامعة القديس يوسف. تقتضي الدقة الإشارة إلى فرق أساسي في مواضيع التعليم الجامعي. الإنسانيات، خلافًا للعلوم، تتطلب شرطًا ضروريًا هو نظام سياسي ليبرالي يشجع الأطروحات ويحمي الطارحين. الحاضنة في لبنان السابق للحرب الأهلية، كان النظام الديمقراطي الذي صان حرية التعليم والتفكير بفضل سلطة المسيحيين. بناء تهاوى بعد انتقال القرار إلى من لا يؤمن بهذه القيم. على الجانب الآخر للتعليم الجامعي نجد ما لا يتطلب ليبرالية وحرية فكر، كالعلوم الطبيعية والطب والهندسة والتقنيات التي تتعايش مع كل الأنظمة.

امتدت الفترة الذهبية للعلوم الإنسانية في الجامعة الأميركية من ثلاثينات القرن الماضي لتنهيها الحرب الأهلية عام 1975، بما خلّفت من تبدّل ديمغرافي وإضعاف للبنية المسيحية الحاضنة لتلك القيم.

لا يكتمل البحث ما لم نولِ ما لعب دورًا أساسيًا في تألق الجامعة الأميركية. إنه نظام "الكامبس" المجمّع الأنكلو - ساكسوني المستوحى من التراث الفلسفي اليوناني، الذي يجمع بين الأساتذة والطلبة طوال سني الدراسة في بوتقة واحدة، يجرون، إلى جانب المحاضرات، حوارات يومية. خيار جامعي آخر انتشر في الغرب، وهو نظام المحاضرات، حيث يلقي الأستاذ محاضرة ويمضي، حضورها غير ملزم وكثيرًا ما لا تتضمن أسئلة.

من الذين تألقوا في تلك الفترة الذهبية للجامعة الأميركية في قسم الإنسانيات تجد شارل مالك، صاحب إسهام أساسي في وضع شرعة حقوق الإنسان إلى جانب مؤلفات له في الفلسفة. قسطنطين زريق، مساهم رئيسي في تطوير الفكر القومي العربي الليبرالي، جلال صادق العظم، من رواد الإصلاح الديني الإسلامي، زين نور الدين زين، أستاذ التاريخ العربي الحديث وواضع كتب وأبحاث استغرقت سنين من مراجعة الوثائق في العواصم الأوروبية. أنيس فريحة، أهم مرجع في السوسيولوجيا اللبنانية. حنا بطاطو، واضع ما يُعتبر أهم دراسات تتعلق بالعراق، وإلى مدرسته ينتمي عدد كبير من مفكري العراق اليساريين، فيما آخرون يميلون إلى مدرسة تخالفه وضعها علي الوردي، وهو، بدوره، من خريجي الجامعة الأميركية. هناك أيضًا وليد الخالدي، مرجع رئيسي لمراحل تطور القضية الفلسطينية. سمير ونديم خلف في السوسيولوجيا والاقتصاد. أسد رستم ونقولا زيادة في التاريخ، جبرائيل جبور وأنطوان كرم وخليل حاوي في الأدب العربي. بين هذه الكوكبة إيلي سالم وكمال الصليبي في كتاباته الأولى. هؤلاء بعض من مروحة احتوت مفكرين من كل الأطياف، جمع بينهم إطار جامعي يحترم حرية الفكر والتعبير، سيبقى محل فخر وطن انطوى.