رفيق خوري

رهان على بناء مقاومة لها دولة

4 دقائق للقراءة

لبنان ليس الأول، ولن يكون الأخير بين البلدان العربية على طريق التفاوض المباشر مع إسرائيل. لكنه البلد العربي الوحيد الذي تعرّض للاحتلال الإسرائيلي في حروب لا دور ولا قرار فيها للشرعية. والوحيد أيضًا الذي لا سابق لانسحاب الاحتلال من أرضه كما حدث يوم 25 أيار عام 2000، من دون تفاوض ولا اتفاق ولا قيد ولا شرط. والوحيد أيضًا وأيضًا الذي عاد الاحتلال إليه بعد التحرير على أيدي الذين قاتلوا المحتل ودفعوه إلى الخروج من قبل.

ولا شيء بالصدفة. لا إنهاء المقاومة الوطنية بقرار الوصايتين السورية والإيرانية قبل التحرير. ولا بقاء "المقاومة الإسلامية" بعد التحرير. لا إعلان التحرير، وسط "اكتشاف" أرض محتلة اسمها مزارع شبعا التي سيطرت عليها إسرائيل بعد هزيمة الجيش السوري في حرب 1967. ولا تسمية "عيد المقاومة والتحرير" خلافًا للعادة في الأعياد الوطنية: "الجلاء أو النصر أو الاستقلال". فالربط في العنوان تعبير له دلالات مهمة: التحرير يعني حدثًا اكتمل، والمقاومة تعني مشروعًا مستمرًا. وإذا كانت هناك عوامل عدة ساهمت في انسحاب الاحتلال، فإن التوظيف السياسي والاستراتيجي للتحرير جرى ربطه بعامل واحد وتجييره إلى طرف واحد.

ذلك أن المقاومة في الإطار الوطني اللبناني وصلت عمليًا إلى نهاية المهمة عام 2000. وما بقي هو حزب مسلح له مهام محلية وإقليمية عدة تحت عنوان "المقاومة الإسلامية" التي هي جزء من "محور المقاومة" بقيادة الحرس الثوري الإيراني. وليس "تجنيد" لبنان، على الرغم منه وضد المناخ العربي العام، في حرب دائمة مع إسرائيل سوى فصل في كتاب المشروع الإقليمي الإيراني. وهو فصل فتح باب جهنم على لبنان في ثلاث حروب مع إسرائيل بعد التحرير، هي حرب 2006 وحرب إسناد غزة وحرب إسناد إيران، كما في القتال ضد الثورة السورية دفاعًا عن نظام الأسد حتى انهياره. لكنه في حسابات "حزب الله" وطهران فصل "انتصارات" على الطريق إلى النصر الإلهي الكامل بظهور صاحب الزمان.

ومن الوهم تصوّر "الحزب" يتخلى عن سلاحه ورفضه لقرار سحبه في مجلس الوزراء والذي يسميه الشيخ نعيم قاسم "إبادة". فلا تسليم سلاح إلا للمهدي، ولو اتفقت أميركا وإيران على سحبه. ولا يبدل في الأمر أن يتحول السلاح الذي يقال إن من مهامه تدعيم الموقع الشيعي في النظام إلى خطر على الشيعة أولا، وأن يقود قتاله لتحرير الأرض من الاحتلال إلى توسع الاحتلال والمزيد من التهجير والتدمير وجرف القرى والبيوت. فالقرار هو لصاحب الكتاب في خدمة المشروع الإيراني. و"الحزب" الذي تلقى الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على كوادره وبنيته التحتية من دون رد على مدى 15 شهرًا، لم يرد إلا بأمر إيراني بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية.

والتنظير في لبنان للتمسك بدور "المقاومة الإسلامية" والحفاظ على سلاحها يبدأ من الأمور البديهية ولا ينتهي بالأمور الجيوسياسية والاستراتيجية. فالانطلاق من كون مقاومة الاحتلال حقًا طبيعيًا للشعوب تكرسه المواثيق والقوانين الدولية يتجاهل مدى الحساسية والخطورة في بلد من 18 طائفة لحصر السلاح بيد حزب مذهبي أيديولوجي يدعم طائفة واحدة في وجه بقية الطوائف. والتركيز على "العمق الإقليمي" الاستراتيجي الإيراني وراء قتال "حزب الله" لإزالة إسرائيل هو من التصرف كأن لبنان مجرد مساحة جغرافية لا حساب لكل ما يصيبه، والإصرار على مقولة إن إسرائيل "أوهى من بيت العنكبوت" بصرف النظر عن تفوقها العسكري، والتجاهل، لا فقط لحماية أميركا لإسرائيل بل أيضًا لحماية الصين وروسيا وأوروبا المعنوية لها ورفض إزالتها، على الرغم من الخلاف معها على رفضها إقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة.

وليس من المعقول أن تكون المعادلة هي: مقاومة ثابتة ولبنان متغيّر في منطقة تحولات هائلة. ولا من المقبول ولا الممكن ولا العملي بناء مقاومة مذهبية مرتبطة بإيران لها دولة على طرازها، بدل بناء مشروع دولة وطنية تمارس السيادة وتقيم الوزن الوطني على التوازن وما سماه ماكس فيبر "احتكار العنف الشرعي" وتسميه الدولة حصرية السلاح بيدها.

و"الأفراد يصنعون التاريخ ولكن ليس بالطريقة التي يختارونها"، كما قال ماركس.