روجيه نهرا

فنّ الرسم بات وسيلة لملء الفراغ والشعور بالضجر

3 دقائق للقراءة

لم تسرق حرب الإسناد الثانية لـ"حزب الله" الأمان من الناس فقط، بل انتزعت منهم أرزاقهم وأعمالهم، وأرهقت الأرض التي كانت مصدر عيشهم. كثيرون خسروا وظائفهم ومهنهم، فيما تكبّد الأهالي والمزارعون خسائر جسيمة بعدما طال الدمار مواسمهم ومزروعاتهم، فتحوّلت الحياة اليومية إلى معركة صمود قاسية في مواجهة الفراغ والضيق واليأس.

وسط هذا الواقع المرير، حاول البعض الهروب من قسوة الحرب بطرق مختلفة، فكان الفن بالنسبة إليهم نافذة أمل ومساحة حياة. ومن بين هؤلاء، الصيدلانية الدكتورة جورجينا نعمة الله، التي وجدت في الرسم ملاذاً يخفّف عنها ثقل الأيام. فبعدما تبدّلت تفاصيل حياتها، وخيّم القلق والخسارة على يومياتها، لجأت إلى الريشة والألوان لتملأ وقتها وتحارب الشعور بالضجر والانكسار.

على لوحاتها، تحاول أن ترسم ما عجزت الحرب عن انتزاعه من داخلها: الأمل، والهدوء، والحياة. وبين كل لون وآخر، قصة امرأة رفضت الاستسلام لليأس، فحوّلت وجع الحرب إلى مساحة تعبير وصلاة وصمود.

في خضمّ الحرب والتهجير وتراجع الأعمال، عاد كثيرون للبحث عن شيء يمنحهم القوة والطمأنينة وسط هذا الخراب. ومن بين هؤلاء، وجدتُ نفسي أعود إلى موهبة قديمة كنت قد ابتعدت عنها لسنوات بسبب ضيق الوقت وضغوط الحياة في لبنان.

وتابعت الدكتورة: "مع اشتداد الحرب وتبدّل حياة الناس، شعرت أنّنا بحاجة إلى التمسّك أكثر بالإيمان، وأن يقترب كل شخص من الله بطريقته الخاصة. بالنسبة إليّ، كانت العودة إلى الرسم هي هذه الطريق. بدأتُ أرسم وأكتب الأيقونات بروحي الخاصة، بعيداً عن الاحتراف الأكاديمي، لكن بكل ما أحمله من إحساس وإيمان.

الرسم بالنسبة إليّ لم يعد مجرد هواية، بل مساحة أواجه فيها الخوف والقلق، وأحاول من خلالها أن أزرع شيئاً من النور وسط هذا الظلام. أحب أن أجسّد في لوحاتي روح الإيمان التي نعيش الحاجة إليها اليوم تحت القصف وفي ظلّ الخوف اليومي.

وفي إحدى الرسومات التي جسّدت فيها السيد المسيح، حاولت أن أعبّر عن فكرة النور الإلهي. رسمتُ يسوع يسير في طريق يترك خلفه نوراً مضيئاً، فيما تبقى الأماكن التي لم يمرّ بها بعد غارقة في العتمة، وكأنّ حضوره وحده قادر على تبديد الظلام ومنح الناس الرجاء والسلام.

أما بالنسبة إلى لوحة مار شربل، فهي تحمل بالنسبة إليّ معنى كبيراً وعميقاً، لأن مار شربل ليس مجرد قديس لطائفة معينة، بل هو رمز إيمان لكل لبنان ولكثير من الناس حول العالم. من الفيليبين إلى أميركا والكاريبي، هناك أناس كثر وجدوا في صلاته وعجائبه رجاءً وقوة وإيماناً.

وما حصل مؤخراً من إساءات أو تجريح بحق مار شربل والعذراء أمر لا يمكن قبوله، لأن هذه الرموز الدينية مقدّسة في قلوب اللبنانيين جميعاً، مهما اختلفت طوائفهم وانتماءاتهم. وحتى داخل الطائفة الشيعية نفسها، هناك كثيرون يرفضون تماماً أي إساءة تمسّ هذه القامات الروحية التي تمثّل المحبة والسلام والإيمان.

مار شربل عُرف بتقشّفه وصمته وصلواته العميقة، وبذلك النور الذي ارتبط باسمه منذ اكتشاف جسده وحتى اليوم، حيث لا يزال مزاراً يؤمّه الناس من مختلف أنحاء العالم طلباً للشفاء والبركة والطمأنينة. لذلك نشعر وكأنّ حضوره امتداد ليد الله على الأرض، وقربه يمنح الإنسان سلاماً داخلياً لا يوصف".

وختمت الدكتورة جورجينا: "من هنا جاءت فكرة اللوحة التي رسمتها. لم تكن مجرد رسم عادي، بل حالة روحية ومشاعر خرجت بشكل عفوي من داخلي. شعرت وكأنني أعبّر من خلالها عن صلاة، أو عن صلة روحية تربطني بالله وبكل ما يمنح الإنسان نوراً وسط هذا الظلام الذي نعيشه".