أنطوان مسرّه

مئوية دستور 1926: ثلاثة توجهات للمستقبل

4 دقائق للقراءة
الخبرة الدستورية التاريخية اللبنانية حالة تأسيسية

في مواجهة تحليلات وآراء من كل حدب وصوب وذهنيات مبرمجة واقتراحات متضاربة في خطاب السوق وتعظيم أو تذمر طوال السنة الحالية لمئوية الدستور اللبناني، وأيضًا تجاه مثقفين ببغائيين في ما يتعلق بمصطلح "الطائفية" الذي يذكره ميشال شيحا بتحفظ بين مزدوجين، ما هو استنادًا إلى الاختبار والاختمار والمعاناة المسار في سبيل الحوكمة الرشيدة المستقبلية للبنان gouvernabilité في نظام برلماني تعددي؟

لا نبدي رأيًا ولا موقفًا كما هو سائد بل نعتمد على أبحاث دستورية عالمية ومقارنة منذ سبعينيات القرن الماضي. تُشكل الخبرة الدستورية التاريخية اللبنانية بالذات حالة تأسيسية في بناء نظرية الأنظمة البرلمانية التعددية في عالم اليوم الذي تجتاحه أيديولوجيات في الهويات المنغلقة والتقوقع.

في السنة الحالية لمئوية الدستور وانطلاقًا من آباء مؤسسين أصحاب رؤية استشرافية، أصبحت برمجة ذهنية سائدة وماضوية، ولدى كتّاب لبنانيين وأجانب يعقوبيين، تُشكل خطرًا على شرعية الكيان اللبناني. يُستخلص من الاختبار اللبناني ومن البحوث الدستورية العالمية والمقارنة ثلاثة احتمالات للمستقبل في ما يتعلق بحوكمة النظام البرلماني التعددي اللبناني.

1. مراقبة أقلية أو طغيان أكثرية: يطرح الكاتب الإسرائيلي Sammy Smooha، في ما يتعلق بإسرائيل والمكوّن العربي في إسرائيل وفي بلدان أخرى، العقيدة التالية في إدارة التعددية الثقافية: مراقبة الأقلية أو طغيان أكثرية minority control / dominant majority. إنها حالة نظام عائلة الأسد وبعض الأنظمة في المنطقة في حالات إقصاء عديدة في العالم وانعدام المساواة والمشاركة:


Sami Smooha, “Ethnic Democracy, Israel as an archetype”, Israël Studies, Volume II, no 2, 1997.


2. بوليارشيا موحشة Polyarchie débridée: في مجتمع تعددي بالمعنى الاجتماعي للثقافة (التعددية الدينية واللغوية والعرقية والإتنية...)، وبخاصة في مجتمع من 18 طائفة وحيث يُشكل لبنان

حالة نموذجية، تكمن الخطورة في تعددية مراكز القرار نقيضًا للوظائف السيادية للدولة ومركزيتها ووحدانيتها:


François Bouricaud, Esquisse d'une théorie de l'autorité, Paris, Plon, 1961, 422 p., pp. 319-351 et Jean-Claude Douence, « Régime libanais et polyarchie », conférence à l'Association libanaise des sciences politiques, 16 juin 1971,

27 p. inédit.

3. ترشيد حوكمة لبنان في حالة ميزان متعدد power sharing : ينطلق ميثاق الطائف من الثوابت اللبنانية التي اعتمدها الآباء المؤسسون للدستور اللبناني. هذه الثوابت مستلهمة من الاختبار والاختمار والمعاناة. لكن ذهنية لبنانية سائدة غير مدركة لهذه الثوابت وصلابتها. نستخلص من النظرية الدستورية العالمية والمقارنة في عالم اليوم ثلاثة شروط مسبقة في سبيل فاعلية حوكمة لبنان:

آ. رئيس الجمهورية هو "رئيس الدولة استنادًا إلى المادة 49 الجديدة من الدستور، ضامنًا لسمو الدستور خارج سجلات بابغائية حول مصطلح "الصلاحيات". إنه ملك دستوري غير وراثي ماروني كما يستخلص من وساطة April Glaspie سنة 1987 ومن مشاركتنا في الوساطة

الألمانية-الأوروبية-الفاتيكانية من 24 أيلول إلى 3 تشرين الأول 1986:

أنطوان مسرّه، الوساطة الدستورية الألمانية-الأوروبية-الفاتيكانية بعد الاتفاق الثلاثي في 24/9 إلى 3/10/1986، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي لدائم، سلسلة "وثائق"، رقم 107، 2018، 198 ص.

ب. تأليف حكومات "إجرائية" (مجمل الفصل الرابع من الدستور) حيث يتم تمثيل "الطوائف"

(المادة 95): تعني إجرائية "جعل الأمور تجري" (لسان العرب)، وليس برلمانات مصغّرة حيث يتعطل المبدأ العالمي في الفصل بين السلطات.

ج. مثاقفة الدولة في الإدراك الجماعي: يتطلب ذلك مسارًا ثقافيًا وفي بناء الذاكرة الجماعية والمناعة الوطنية تجاه مغامرين ومقامرين، غالبًا في الاستقواء بالخارج والدعارة في العلاقات الدبلوماسية. ورد في الأرشاد الرسولي الذي أعلنه البابا يوحنا بولس الثاني، وبحرف أسود لإثارة الانتباه، ضرورة "ذهنية جديدة"

(البند 9).

***

إن تطوّر الأبحاث الدستورية العالمية والمقارنة منذ السبعينيات القرن الماضي، والتي كان لنا مساهمات فيها، بدلاً من اعتمادها في سبيل استكمال النظرية والتعمّق والفعالية استغلت في ذهنيات لبنانية سائدة ببغائيًا أو في سبيل المخادعة والتعطيل والهيمنة. يصف غسان تويني واقع سجالات دستورية في لبنان في السنوات 1975-1990 "بالعصفورية الدستورية". إن المساهمة الأبرز، بعد ميشال شيحا والآباء المؤسسين، هي للرئيس حسين الحسيني الذي في افتتاح مؤتمر الطائف في المملكة العربية السعودية في 30/9/1989 يحذّر سبع مرات من "سلوك الطرق المسدودة"!


عضو المجلس الدستوري، 2009-2019