كتبت جوزيان الحاج موسى في موقع The Beiruter المقال الآتي:
قلّما تحمل العلاقات الثنائية ثقلاً تاريخياً بقدر ما تحمله العلاقة بين فرنسا ولبنان. تعود الروابط الفرنسية-اللبنانية إلى القرن السادس عشر، حين تدخّلت الملكية الفرنسية لحماية المسيحيين داخل الإمبراطورية العثمانية. وفي عام 1920، أعلنت باريس رسمياً قيام دولة لبنان الكبير، مساهمةً في رسم حدود الدولة اللبنانية الحديثة ومؤسساتها وهويتها الثقافية. واليوم، يعيش نحو 210 آلاف لبناني في فرنسا، فيما لا يزال ما يقارب ثلث سكان لبنان يتحدثون اللغة الفرنسية.
علاقة استراتيجية وثقافية تمتد لقرن
بعد مرور قرن، لا تزال فرنسا واحدة من أكثر الدول الدولية نشاطاً في دعم لبنان. ففي تشرين الأول 2024، تعهّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتقديم 100 مليون يورو كمساعدات، خلال مؤتمر استضافته باريس وتمكّن من حشد أكثر من مليار دولار من المساعدات الدولية للبنان. كما بلغ إجمالي التمويل التنموي الفرنسي للبنان 1.195 مليار يورو منذ عام 1999. وفي مطلع عام 2026، أعلنت فرنسا أيضاً عن خطط لعقد مؤتمر مخصص في باريس يهدف إلى حشد الدعم للجيش اللبناني، في ظل سعي الدولة اللبنانية إلى حصر السلاح بيدها حصراً.
ولا تقتصر العلاقة بين فرنسا ولبنان على الجانب الدبلوماسي فحسب، بل تبقى علاقة سياسية وثقافية واقتصادية وتعليمية وتاريخية عميقة.
لطالما قدّمت فرنسا نفسها كواحدة من أقرب الشركاء الدوليين للبنان، محافظةً على دعم إنساني وسياسي ومؤسساتي قوي خلال الأزمات المتعاقبة والحروب والانهيارات الاقتصادية والتحولات السياسية. واليوم، فيما يواصل لبنان مواجهة الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي وأزمات النزوح والتصعيد الإقليمي، تبقى باريس والاتحاد الأوروبي من أبرز الداعمين الدوليين للبنان عبر المساعدات المالية والإنسانية والانخراط الدبلوماسي ودعم المؤسسات.
وفي هذا السياق، تحدّث فرانسوا-كزافييه بيلامي (François-Xavier Bellamy)، نائب رئيس البرلمان الأوروبي ونائب رئيس حزب الجمهوريين الفرنسي، إلى "The Beiruter" حول مقاربة فرنسا تجاه لبنان، ودور "حزب الله" داخل الدولة اللبنانية، ومستقبل الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، والتحديات المتزايدة التي تواجه الشباب اللبناني وسط الحرب والانهيار الاقتصادي.
بيلامي ينتقد "تطبيع" أوروبا مع "حزب الله"
وجّه بيلامي انتقادات حادة لما وصفه بـ"تطبيع" أوروبا الطويل الأمد مع دور "حزب الله" في لبنان، معتبراً أن الدول الأوروبية تعاملت مراراً مع الحزب كأنه حزب سياسي عادي، رغم امتلاكه جناحاً مسلحاً ونفوذاً واسعاً داخل مؤسسات الدولة اللبنانية. وقال: "الحزب السياسي الذي يمتلك ميليشيا ليس حزباً سياسياً عادياً. في أي ديمقراطية، وفي أي من دولنا، سيكون مثل هذا الوضع غير مقبول بوضوح."
واعتبر بيلامي أن محاولات الفصل بين الجناحين السياسي والعسكري ل"حزب الله" ليست سوى "تجريد نظري"، مؤكداً أن اللبنانيين أنفسهم، ولا سيما أولئك الذين خاطروا بحياتهم أو فقدوها في مواجهة نفوذ الحزب داخل مؤسسات الدولة، يدركون تماماً طبيعة هذا النفوذ.
وأشار تحديداً إلى المفكر والناشط الشيعي اللبناني لقمان سليم، قائلاً إن كثيراً من اللبنانيين "دفعوا حياتهم ثمناً" لمحاولتهم كشف قبضة "حزب الله" على الديمقراطية اللبنانية والسيادة والمؤسسات والحريات والأمن.
وبحسب بيلامي، فإن أوروبا وأطرافاً داخل لبنان تبنّت لسنوات ما وصفه بـ"النهج القدري" تجاه "حزب الله"، والقائم على اعتبار سلاح الحزب واقعاً غير قابل للتغيير ينبغي التكيّف معه سياسياً.
المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية ودور فرنسا
ورحّب بيلامي أيضاً بالمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، واصفاً إياها بأنها "إشارة أمل كبرى". وقال: "الحقيقة هي أن الحرب الحالية ليست بين لبنان وإسرائيل، بل بين "حزب الله" وإسرائيل، وبالتالي بين إيران وإسرائيل."
وبحسب بيلامي، فإن بدء الحوار المباشر بين لبنان وإسرائيل يشكّل "وسيلة للخروج من حالة الرهينة الجماعية هذه". وفي حين شدّد على ضرورة احترام إسرائيل لمبدأ التناسب ولسيادة لبنان، اعتبر أن "حزب الله" يبقى "المنتهك الرئيسي" للسيادة اللبنانية.
وأضاف: "دور فرنسا هو تشجيع هذه العملية وبذل كل ما يمكن لضمان وصولها إلى نتيجة ناجحة."
بيلامي حول سياسة فرنسا تجاه لبنان وحدود الوضع القائم
أقرّ بيلامي بالانتقادات الموجّهة إلى المقاربة الفرنسية التاريخية تجاه لبنان، ولا سيما الاتهامات بأن باريس فضّلت أحياناً الاستقرار قصير الأمد على مواجهة النفوذ المتزايد ل"حزب الله" داخل الدولة اللبنانية. وقال: "لقد انتقدتُ شخصياً مراراً مواقف تم الدفاع عنها باسم بلدي. كوني فرنسياً لا يعني أنني أعتقد أن فرنسا قامت بكل شيء بالشكل الصحيح في لبنان."
ورغم ذلك، شدّد بيلامي على أن فرنسا تبقى "دولة صديقة وشقيقة" للبنان، معتبراً أن العلاقة بين البلدين تتجاوز بكثير الخلافات السياسية المؤقتة. وأضاف: "دور فرنسا اليوم هو الوقوف إلى جانب الشعب اللبناني لحماية استقرار البلاد."
لكن بيلامي رفض فكرة أن الحفاظ على الاستقرار يعني الإبقاء على الوضع القائم. وقال: "الوضع القائم هو عدم الاستقرار. الوضع القائم هو العنف. الوضع القائم هو الحرب." وأضاف: "الواقع اليوم هو أن اللبنانيين تم إفقارهم وتجريدهم من ممتلكاتهم. لقد حُرموا من آفاق المستقبل. وتم إضعاف تعليمهم ورعايتهم الصحية وخدماتهم العامة الأساسية."
واستذكر بيلامي سماعه أصوات القصف خلال زيارة حديثة إلى جنوب لبنان، معتبراً أن المعارضين لنزع سلاح "حزب الله" لا يدركون أن الوضع الحالي نفسه ينتج ضحايا. وقال: "يُقال لنا إن نزع سلاح "حزب الله" سيؤدي إلى ضحايا، لكن الواقع الحالي هو الذي يصنع الضحايا." وأضاف أن "3500 لبناني قُتلوا منذ آذار الماضي. هذا هو الثمن الدموي الذي يدفعه لبنان اليوم نتيجة تحوّله إلى رهينة لهذه الميليشيا المسلحة."
وبحسب بيلامي، ينبغي لفرنسا أن تواصل دعم لبنان عبر ما وصفه مراراً بأجندة عاجلة لنزع السلاح مرتبطة باستعادة الدولة لسلطتها الكاملة.
الجيش اللبناني ومعركة الإصلاح المؤسسي
دافع بيلامي بقوة عن الجيش اللبناني، رافضاً الروايات التي تصوّره كجيش ضعيف أو عاجز. وقال: "تُعرَّف الدولة أولاً وقبل كل شيء من خلال احتكارها للسلاح. وعلى الجيش اللبناني أن يستعيد هذا الاحتكار." وأضاف: "إنه القوة القادرة على حماية جميع اللبنانيين وكل الطوائف في لبنان. وهو القوة الوحيدة التي تحمي لبنان بأكمله."
ورغم إقراره بأن الجيش يحتاج إلى مزيد من الدعم، شدّد بيلامي على أن المؤسسة العسكرية لا تزال قوية. وقال: "أرفض الرواية التي يتم الترويج لها أحياناً، وهي رواية لا تخدم سوى دعاية "حزب الله"، والقائلة إن الجيش اللبناني غير قادر على التحرّك." وأكد بيلامي أن الجهود الأوروبية لا تقتصر على الدعم العسكري، بل تشمل أيضاً إصلاحات مؤسساتية أوسع.
ووصف بأنه "غير مقبول إطلاقاً" عدم صدور أي إدانات حتى الآن في قضية انفجار مرفأ بيروت عام 2020، مشيراً إلى أن البرلمان الأوروبي دعم فرض عقوبات على الأشخاص الذين يعرقلون التحقيق. وقال: "اليوم، وبفضل إجراءات الحكومة، وصل التحقيق إلى خواتيمه. والآن يجب أن يقود إلى محاكمات وإدانات واضحة."
كما شدّد على ضرورة إجراء إصلاحات مصرفية وتحقيق المحاسبة، بما في ذلك إعادة أموال المودعين اللبنانيين الذين تبخّرت مدخراتهم خلال الانهيار المالي. وأضاف: "لا يمكن أن تكون هناك مؤسسات ولا دولة من دون محاسبة."
وكشف بيلامي أيضاً أن البرلمان الأوروبي أقرّ مؤخراً اتفاقية شراكة قضائية بين لبنان والاتحاد الأوروبي تهدف إلى توسيع التعاون القانوني والمؤسساتي.
التعليم، اليونيفيل، والحفاظ على أسس المجتمع اللبناني
وكان قطاع التعليم من أبرز الملفات التي أثارت قلق بيلامي، إذ وصفه بأنه أحد أعظم نقاط قوة لبنان رغم الانهيار المالي المستمر. وقال: "مستوى التعليم في لبنان استثنائي."
إلا أن بيلامي حذّر من أن العديد من المدارس اللبنانية باتت عملياً على شفير الإفلاس بسبب عجز الدولة عن توفير التمويل الكافي.
وفي إطار العمل مع مؤسسة "لُوفر دُ أوريان" (L’Œuvre d’Orient)، قال بيلامي إن الجهود جارية لتأمين دعم مالي للمدارس كي تتمكن من مواصلة عملها، ودفع رواتب المعلمين، وإعادة فتح أبوابها العام المقبل. وأضاف: "هذا أمر أساسي لكي تتمكن العائلات اللبنانية من البقاء في لبنان والاستمرار في منح الأمل لأطفالها."
وفي ما يتعلق بمستقبل قوات اليونيفيل في لبنان، أقرّ بيلامي بأن بعثة حفظ السلام بدت أحياناً عاجزة خلال النزاع، جزئياً بسبب ما وصفه بالغموض في تفويضها. وقال: "في بعض الأحيان، ربما بدت عاجزة في مواجهة النزاع، لكن هذا لا يعني أنها كانت بلا فائدة."
وأشار بيلامي إلى أن مدنيين في جنوب لبنان أخبروه بمدى أهمية اليونيفيل، خصوصاً في المساعدة على إيصال المساعدات الإنسانية إلى القرى. كما أشاد بجنديين فرنسيين قُتلا أثناء خدمتهما ضمن قوات اليونيفيل، واصفاً مقتلهما بأنه "أمر صادم ومروّع".
الشباب اللبناني وإغراء الهجرة
وفي حديثه عن الجيل اللبناني الشاب، أقرّ بيلامي بحجم اليأس والصعوبات الاقتصادية والرغبة المتزايدة لدى كثير من الشباب في الهجرة. وقال: "أتفهّم تماماً لماذا يشعر كثير منهم بالقلق وربما بالإحباط. وأتفهم تماماً لماذا قد يتساءلون إن كان مستقبلهم يكمن في مكان آخر." ومع ذلك، شدّد بيلامي على أن مستقبل لبنان يعتمد في نهاية المطاف على شبابه.
وخلال زياراته إلى مدارس في جنوب لبنان وطرابلس، قال بيلامي إنه أُعجب بـ"النضج الاستثنائي والحكمة والطاقة والذكاء والبلاغة" لدى الطلاب اللبنانيين، بمن فيهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم ثماني أو عشر سنوات.
واستذكر كيف بدأ الطلاب بشكل عفوي بإنشاد نشيد مدرستهم فيما كانت أصوات القصف والطائرات المسيّرة لا تزال تُسمع في الجوار. وقال: "في تلك اللحظة، شعرت بأن لدي أملاً أكبر بمستقبل هؤلاء الشباب اللبنانيين، أكثر مما أشعر أحياناً تجاه مستقبل بلدي."
وختم بيلامي بالقول: "أتفهّم إغراء الرحيل والشعور بالإحباط، لكنني أؤمن حقاً بأن الأمل لا يزال ممكناً إذا كان الشباب اللبناني مستعدين لتكريس هذه القوة من أجل مستقبل بلدهم."