الدكتور سايد حرقص

الصراع الأميركي–الإيراني يقود لبنان الى المجهول

5 دقائق للقراءة

لا يمكن فهم المشهد اللبناني المعاصر بمعزل عن سياقه التاريخي والجيوسياسي المعقّد؛ فهذا البلد الصغير في مساحته، الكبير في تناقضاته، تحوّل عبر العقود إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح القوى الإقليمية والدولية، في ظل هشاشة الدولة وتراجع قدرتها على ضبط توازناتها الداخلية.

في هذا الإطار، يبرز الصراع الأميركي– الإيراني كأحد أبرز العوامل المؤثرة في صياغة الواقع اللبناني منذ ثمانينيات القرن الماضي، مع صعود حزب الله بدعم إيراني، وما رافقه من انتقال لبنان تدريجياً إلى مساحة مواجهة غير مباشرة بين واشنطن وطهران، انعكست بعمق على بنيته السياسية واستقراره الاقتصادي والاجتماعي.

لم يكن الحضور الأميركي في لبنان وليد اللحظة، إذ تعود جذوره إلى عام 1958، في عهد الرئيس كميل شمعون، عندما تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً في إطار استراتيجية الحرب الباردة واحتواء المدين الناصري والشيوعي. إلا أن ذلك التدخل بقي مرتبطاً بظروف تلك المرحلة ولم يؤسس لصراع طويل الأمد على الأرض اللبنانية.

أما التحول المفصلي، فقد بدأ عام 1982. فمع الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، دخلت إيران الساحة اللبنانية بصورة مباشرة عبر إرسال وحدات من الحرس الثوري الإيراني إلى سهل البقاع، بتنسيق مع النظام السوري آنذاك. وكان الهدف واضحاً: إنشاء بنية عسكرية وعقائدية تنسجم مع استراتيجية الإمام الخميني في تصدير الثورة الإسلامية، وهو المشروع الذي تُوِّج لاحقاً بتأسيس تنظيم "حزب الله"، الذي سرعان ما تحول إلى أبرز أداة للنفوذ الإيراني في لبنان.

ومنذ تلك اللحظة، دخل لبنان مرحلة جديدة تجاوزت النفوذ الفلسطيني المسلح والاحتلال السوري، ليصبح الساحة الأكثر حساسية في المواجهة غير المباشرة، وأحياناً المباشرة، بين واشنطن وطهران.

بلغ هذا الصراع إحدى أبرز محطاته خلال عهد الرئيس أمين الجميل. فقد سعت الولايات المتحدة إلى إعادة رسم التوازنين السياسي والأمني عبر "اتفاق 17 أيار" عام 1983، الذي استهدف تنظيم الانسحاب الإسرائيلي وترتيب العلاقات الأمنية بين لبنان وإسرائيل، بدعم من القوة المتعددة الجنسيات.

في المقابل، اعتبرت دمشق وطهران الاتفاق تهديداً مباشراً لنفوذهما في لبنان. فتحرك حلفاؤهما المحليون، وفي مقدمتهم الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل، لإسقاط الاتفاق ميدانياً، وإخراج الجيش اللبناني من بيروت الغربية. وفي الوقت نفسه، نفذت مجموعات مرتبطة بإيران سلسلة من العمليات الدامية، استهدفت السفارة الأميركية في بيروت، ثم مقر قوات مشاة البحرية الأميركية، ما أدى إلى مقتل 241 عسكرياً أميركياً، إضافة إلى استهداف مقر المظليين الفرنسيين، في واحدة من أكثر الهجمات دموية التي تعرضت لها القوات الغربية في الشرق الأوسط.

شكّل انسحاب القوات الأميركية عام 1984، وسقوط اتفاق 17 أيار، نقطة تحول استراتيجية، إذ ترسخت لدى المجتمع الدولي قناعة بأن لبنان بات الساحة المثالية لتبادل الرسائل الأمنية والعسكرية بين القوى المتنافسة، وأن أي مواجهة إقليمية يمكن أن تجد طريقها إلى الأراضي اللبنانية.

تكرس هذا الواقع بصورة أكبر خلال العقود اللاحقة، ولا سيما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وما أعقبه من انسحاب الجيش السوري، ثم حرب تموز 2006، وصولاً إلى اندلاع الحرب السورية عام 2011 وانخراط حزب الله فيها، الأمر الذي عزز ارتباط لبنان بمحور الصراع الإقليمي، وجعل حدوده وساحته الداخلية جزءاً من معادلات تتجاوز الدولة اللبنانية نفسها.

وخلال السنوات الأخيرة، ومع الانهيار المالي والنقدي غير المسبوق الذي يعيشه لبنان، اتخذ هذا الصراع أبعاداً أكثر تعقيداً. فلم يعد يقتصر على التفجيرات أو المواجهات العسكرية، بل تحول إلى حرب استنزاف متعددة الأدوات، تشمل العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، والحروب المالية والإعلامية والسيبرانية، فضلاً عن الصراع الاستخباراتي المستمر.

فمن جهة، تستخدم الولايات المتحدة أدواتها السياسية والاقتصادية، وفي مقدمتها العقوبات، لمحاصرة حزب الله، وتجفيف مصادر تمويله، والحد من نفوذه السياسي والمالي، انطلاقاً من رؤيتها لأمن المنطقة ولمصالحها الاستراتيجية. ومن جهة أخرى، ترى إيران أن أي تراجع لنفوذها في لبنان، أو أي مساس بسلاح حزب الله، يشكل خسارة استراتيجية تمس أمنها القومي وتضعف إحدى أهم أوراقها في التوازنات الإقليمية والمفاوضات الدولية. وبين هذين المشروعين، يقف اللبنانيون وحدهم، يدفعون من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم ومستقبل أبنائهم كلفة هذا الصراع المفتوح.

لقد أسهم نظام المحاصصة الطائفية، والفساد البنيوي المستشري، وضعف مؤسسات الدولة، وضيق الأفق السياسي لدى جزء كبير من الطبقة الحاكمة، وتقديم الولاءات الخارجية والمصالح الفئوية والشخصية على حساب المصلحة الوطنية العليا، إلى جانب تراجع مفهوم المواطنة لدى شريحة من اللبنانيين، في إضعاف مناعة الدولة وتحويلها إلى ساحة مفتوحة أمام التدخلات الخارجية. فالتاريخ يعلمنا أن الدول القوية هي التي تفرض قواعد اللعبة، أما الدول الهشة والمنقسمة، فسرعان ما تتحول إلى رقعة شطرنج تتنازعها القوى الإقليمية والدولية.

اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على ولادة الصراع الأميركي–الإيراني في لبنان، يقف البلد أمام مفترق طرق مصيري. فمن جهة، تدعو الولايات المتحدة إلى حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز المؤسسات الشرعية باعتبارهما مدخلاً لاستعادة الاستقرار. ومن جهة أخرى، تعتبر إيران أن سلاح حزب الله يشكل ركناً أساسياً في مشروعها الإقليمي، وترفض أي تسوية تؤدي إلى نزعه أو تقليص دوره. وبين هذين الخيارين، لا يزال لبنان الرسمي عاجزاً عن فرض إرادته السيادية أو رسم مستقبله بعيداً عن إرادات الخارج.

إن قيامة لبنان الحقيقية لن تتحقق إلا بقيام دولة تمتلك وحدها حق احتكار السلاح والقرار والسيادة، وتعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسساتها، وتكرّس الولاء للوطن فوق أي ولاء آخر، داخلياً كان أم خارجياً. فمن دون دولة قوية، عادلة وقادرة، سيبقى لبنان ساحةً لتصفية حسابات الآخرين، وسيظل شعبه يدفع ثمن صراعات لا يقررها... فيما يواصل الوطن انجرافه نحو المجهول.