في مشهد سياسي يزداد غرابة يوماً بعد يوم، يبدو أن مجرد المطالبة بقيام الدولة اللبنانية واستعادة مؤسساتها لصلاحياتها الطبيعية أصبح جريمة سياسية بنظر حزب الله وحلفائه. فكل صوت يدعو إلى حصرية السلاح بيد الدولة، أو إلى تطبيق الدستور، أو إلى تعزيز دور الجيش والمؤسسات الشرعية، يُواجه باتهامات جاهزة بالخيانة أو العمالة.
لكن السؤال المطروح: إذا كانت الحكومة الحالية تنفذ سياسات يعتبرها الثنائي الشيعي خاطئة أو معادية، فلماذا يشارك فيها ويمنحها الثقة ويشغل مواقع أساسية داخلها؟ فالانخراط في السلطة يقتضي تحمّل مسؤولية قراراتها، لا المشاركة فيها ثم مهاجمتها والتنصل من نتائجها.
الشواهد
في هذا السياق تكتسب نداءات النبطية وصور أهمية خاصة. فهذه النداءات لم تأتِ من خصوم الطائفة الشيعية ولا من بيئات بعيدة عنها، بل خرجت من قلب الجنوب ومن مدن دفعت أثماناً باهظة خلال العقود الماضية. وهي تعكس بداية حالة امتعاض داخل الشارع الشيعي من استمرار ربط مصير الطائفة بمشروع عسكري وأمني أثبتت السنوات الأخيرة كلفته الباهظة على الناس ومصالحهم ومستقبل أبنائهم.
ما يلفت النظر أن هذه الأصوات لم تطالب بشيء استثنائي أو انقلابي. لم تدعُ إلى مواجهة أهلية، ولم تطرح مشاريع تقسيم أو عزل. كل ما طالب به أصحابها هو العودة إلى منطق الدولة والقانون والمؤسسات، وإبقاء مدينتهم منزوعة السلاح، وهو مطلب يفترض أن يكون محل إجماع بين جميع اللبنانيين.
لكن مجرد صدور هذا الموقف كان كافياً لاستنفار حملات التحريض. وكأن المشكلة لم تعد في غياب الدولة، بل في المطالبة بها، فيما يُطلب من اللبنانيين القبول بواقع استثنائي دائم من دون مساءلة نتائجه السياسية والاقتصادية والأمنية.
الانعكاسات
الحقيقة أن جزءاً متزايداً من الشيعة بات يرى أن حماية الطائفة ومستقبل أبنائها يمران عبر دولة قوية توفر الاستقرار والفرص، لا عبر استمرار منطق الحرب والسلاح خارج المؤسسات. فالدولة ليست مشروعاً ضد أحد، بل الإطار الذي يحمي الجميع بالتساوي.
ومع ذلك، فإن نداء صور ونداء النبطية قد لا يكونان سوى نقطة البداية. فالكلام الحقيقي قد يبدأ بعد انتهاء الحرب، عندما يعود الجنوبيون إلى قراهم ويرون بأم العين حجم الدمار الذي لحق بمنازلهم وأرزاقهم ومصادر عيشهم. عندها سيُطرح السؤال الصعب: لماذا دُفعت هذه الأثمان الباهظة؟ ولمصلحة من؟ وعندما يكتشف كثيرون أن هذه الخسائر جاءت في سياق إسناد غزة وإسناد إيران، فإن النقاش داخل البيئة الجنوبية والشيعية قد يأخذ منحى أكثر عمقاً وجرأة، بعيداً عن الشعارات والانفعالات، وقريباً من هموم الناس اليومية وحقهم في الأمن والاستقرار والحياة الكريمة.
إن نداء النبطية ونداء صور قد لا يكونان سوى بداية مسار طويل من إعادة النقاش داخل البيئة الشيعية حول الأولويات الوطنية وحول العلاقة بين الطائفة والدولة. وهو نقاش تأخر كثيراً بفعل الضغوط السياسية، لكنه بات اليوم أكثر إلحاحاً مع اتساع حجم الخسائر التي تسبب بها منطق السلاح خارج الدولة. فكل محاولة لإسكات هذه الأصوات لن تغيّر حقيقة أن كثيرين باتوا يرفضون دفع أثمان خيارات لا يشاركون في اتخاذها، ويرفضون أن يبقى مصيرهم ومستقبل أبنائهم رهينة مشروع يضع مصالحه فوق مصلحة الدولة والناس.
في النهاية، السؤال الذي يبقى مطروحاً أمام الثنائي الشيعي فهو: إذا كانت الدعوة إلى الدولة تمثل خطراً بنظركم، والحكومة التي تشاركون فيها تسير في الاتجاه الخطأ، فلماذا تستمرون في البقاء داخلها؟ فالجمع بين المشاركة في الحكم ورفض نتائجه يضعف صدقية الخطاب السياسي ويكرّس التباساً في الموقف من الدولة نفسها.
لا يمكن الجمع بين المشاركة في السلطة والتنصل من مسؤولياتها. فإما دعم الدولة ومؤسساتها وتحمل تبعات القرار، وإما الانتقال إلى المعارضة بوضوح. أما تحويل المطالبة بالدولة إلى تهمة، فيعكس تناقضاً يتمثل في رفض دورها عندما يتعلق الأمر بحصر السلاح والسلطة بيدها، والاستفادة منها عندما تؤمن لها النفوذ والشرعية والمكاسب.