مرّة جديدة، تدخل واشنطن وطهران مسار التفاوض من بوابة ملتهبة، حيث تبدو الدبلوماسية واجهة هشّة لصراع مفتوح. فالمحادثات الجارية حول مذكرة تفاهم تشمل تمديدًا لوقف النار، وضمان حرّية الملاحة في مضيق هرمز، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، تجري في ظل تصعيد ميداني متقطّع يرسّخ حقيقة واحدة: طهران لا تفاوض إلّا وهي تمسك بزناد الضغط العسكري والأمني في آن واحد. لا يشكّل ذلك تفصيلا ثانويًا، بل يعكس جوهر العقيدة السياسية في إدارة الملف الإقليمي، إذ تدخل إيران طاولة التفاوض كجهة تحاول فرض شروطها عبر مزيج من التهديد والرسائل الميدانية، لا كطرف يسعى إلى تسوية متوازنة، ليصبح التفاوض امتدادًا للصراع لا بديلا عنه.
التصعيد العسكري الأخير الذي وقع الأسبوع الماضي قدّم نموذجًا واضحًا لهذا النهج، إذ أطلقت إيران صاروخًا باليستيًا في اتجاه الكويت، مدّعية استهداف مواقع مرتبطة بالوجود الأميركي في المنطقة، ضمن رسائل تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، وذلك بعد ساعات من اعتراض القوات الأميركية خمس مسيّرات إيرانية في مضيق هرمز وبالقرب منه، واستهدافها لموقع تحكّم أرضي في بندر عباس في إيران لمنع إطلاق مسيّرة سادسة. الأخطر لم يكن تبادل الضربات، بل توسيع دائرة الرسائل نحو الخليج العربي، ما يعكس تعامل إيران مع أمن المنطقة كأداة ضغط تفاوضي لا كخط أحمر، حيث تجعل طهران من التصعيد جزءًا من أدوات التفاوض، إذ تقابل كلّ جولة محادثات برسائل عسكرية تهدف إلى رفع سقف الشروط وتعزيز أوراق الضغط، مع استمرار الاعتماد على الميليشيات الإقليمية الحليفة، وقدرتها على تهديد الممرات البحرية الحيوية.
في الوقت عينه، تحاول طهران الظهور كطرف منفتح على التسويات، مستفيدة من الوساطات الإقليمية والحراك الدبلوماسي المتقطّع بهدف انتزاع مكاسب اقتصادية تخفّف من أزمة داخلية متفاقمة. بالفعل، أدّت الحرب والعقوبات إلى تراجع حادّ في القدرة الشرائية للإيرانيين، وانهيار العملة، وخسارة الملايين لوظائفهم خلال الأشهر الماضية، فيما يعاني مَن تبقّى في سوق العمل من تأخّر الرواتب وعدم انتظامها، كما تعيش البلاد احتقانًا اجتماعيًا يتصاعد بصمت تحت ضغط أمني متزايد. في هذا الإطار، يصبح التصعيد الخارجي أداة لإعادة توجيه الداخل، بحيث تخدم حالة "لا حرب ولا سلام" وظيفة سياسية واضحة: إبقاء المجتمع في حالة استنفار دائم، وتبرير القبضة الأمنية، وتأجيل انفجار اجتماعي محتمل، فأي هدوء شامل سيعيد فتح ملفات الفشل الاقتصادي والفساد البنيوي.
في مواجهة تلك التحدّيات، جاء الخطاب الرسمي أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى حلّها، فقد دعا المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي إلى ما وصفه بـ"الجهاد الاقتصادي"، في محاولة لاحتواء الضغوط الاجتماعية والحفاظ على صورة النظام. انطلاقًا من ذلك، تشكّل الأموال الإيرانية المجمّدة إحدى أبرز عُقَد التفاوض مع واشنطن، فطهران تسعى للإفراج عن جزء منها لتخفيف الأزمة، بينما يربط الرئيس الأميركي دونالد ترامب أي خطوة من هذا النوع بتنازلات جوهرية في الملف النووي، ما يبقي الملف عالقًا بين الضغط الاقتصادي والحساب السياسي.
توازيًا، يمثّل مضيق هرمز الورقة الأخطر في يد إيران، فهو ليس مجرّد ممرّ مائي، بل رافعة ضغط استراتيجية، إذ تمرّ عبره نسبة مهمّة من تجارة النفط العالمية. تدرك طهران أن أي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد وأسواق التأمين العالمية، لذلك تستخدمه كأداة ردع مقابل الضغوط الأميركية والغربية، في رسالة واضحة: الضغط على إيران قد يتحوّل إلى أزمة اقتصادية عالمية.
في المحصّلة، لا تتجه المنطقة نحو حرب شاملة ولا نحو تسوية مستقرّة. ما يتشكّل فعليًا هو "هدنة رمادية" تقوم على توازن هشّ بين التصعيد والاحتواء، حيث يوظّف كلّ طرف أدواته لرفع سقف الشروط دون كسر قواعد الاشتباك. لكن هذه المعادلة تبقى شديدة الهشاشة، فأي خطأ في الحسابات أو إفراط في استخدام التصعيد كأداة تفاوض قد يحوّلها إلى انفجار إقليمي مفتوح خارج السيطرة.