الدكتور سايد حرقص

هل دخلت السلطة اللبنانية مرحلة الاختبار الأخطر؟

3 دقائق للقراءة

يبدو لبنان اليوم وكأنه يقف داخل مساحة ضيقة بين نارين: تصعيد إسرائيلي يتجه نحو توسيع الضربات العسكرية، وتصعيد داخلي يقوده خطاب «حزب الله» الحاد، الذي يهدد بإسقاط الحكومة وفتح مواجهة داخلية مفتوحة بكل الوسائل المتاحة له.

ففي وقت ترفع فيه إسرائيل مستوى تهديداتها وغاراتها وعملياتها العسكرية في جنوب لبنان، ويعلن قادتها بشكل متكرر استعدادهم لتوسيع العمليات العسكرية وتغيير قواعد الاشتباك، جاءت مواقف الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم لتضيف مزيداً من التوتر إلى المشهد الداخلي، بعدما اعتبر أن الحكومة اللبنانية تسير تحت الضغط الأميركي والإسرائيلي، ملوّحاً بخيارات تصعيدية قد تصل إلى إسقاطها.

هذا التزامن بين الضغط الخارجي والضغط الداخلي يطرح أسئلة حساسة حول قدرة السلطة اللبنانية على الصمود في مرحلة تُعد من الأكثر حساسية وخطورة في تاريخ لبنان الحديث، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي والتراجع الحاد في هيبة مؤسسات الدولة ومواردها المالية.

اللافت أن إسرائيل لم تعد تكتفي بالرسائل العسكرية التقليدية، بل بات خطابها يتحدث بوضوح عن إعادة رسم الواقع الأمني في الجنوب اللبناني بالقوة. أما داخلياً، فإن لغة التهديد السياسي ورفع سقف المواجهة تعكسان انتقال الأزمة من إطار الخلاف السياسي المعتاد إلى مستوى الصراع على طبيعة السلطة والقرار داخل الدولة.

إن أخطر ما يواجه لبنان حالياً ليس فقط احتمال توسّع الحرب، بل اتساع الفراغ السياسي الداخلي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. فالسلطة اللبنانية قد تستطيع التخفيف من حدة الضغوط الخارجية عندما تكون جبهتها الداخلية متماسكة، أما عندما يصبح الانقسام جزءاً من بنية الحكم، فإن الضغوط الخارجية ستتدحرج ككرة الثلج لتتحول إلى تهديد وجودي للسلطة والدولة معاً.

في ظل هذا المشهد، يبدو المواطن اللبناني الطرف الأكثر إنهاكاً. فبعد سنوات من الانهيار المالي وتراجع الخدمات، يعود شبح الحرب ليخيّم فوق بلد يعاني أساساً من ضعف اقتصادي واجتماعي غير مسبوق. ومع كل خطاب تصعيدي، يزداد القلق من أن تتحول شوارع لبنان مرة جديدة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الصراعات الإقليمية.

المشهد الحالي يكشف عمق الأزمة اللبنانية المرتبطة بمفهوم الدولة نفسها. فبين السلاح والسياسة، وبين الحسابات الإقليمية والتوازنات الداخلية، تقف السلطة اللبنانية عاجزة عن إنتاج رؤية وطنية قادرة على حماية البلاد من الانفجار.

وبين الغارات والتوغّل الإسرائيلي وتهديدات الشيخ نعيم قاسم، يبقى السؤال: هل ستنتقل السلطة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية من مرحلة القرارات غير المنفّذة إلى مرحلة المبادرة وفرض هيبة الدولة بقواها الذاتية؟ أم أن البلاد تتجه نحو مرحلة أكثر اضطراباً قد تتجاوز حدود الأزمة السياسية التقليدية، وتدفع لبنان هذه المرة إلى جحيم لا أحد يستطيع التنبؤ بكيفية الخروج منه؟