رافق د. ابراهيم نجّار مراحل أساسيّة من تاريخ لبنان منذ بدأ مسيرته السياسية في حزب "الكتائب" عام 1960. على مدى 65 عامًا، تولّى مسؤوليات كثيرة إلى جانب الشيخ بيار الجميل والشيخ بشير والشيخ أمين والدكتور سمير جعجع، ولكنّه عام 1990 اختار أن يبتعد عن السياسة وينصرف إلى القضايا القانونية قبل أن يعود عام 2008 وزيرًا للعدل ممثلا لـ"القوات اللبنانية". أسرار هذه المحطّات يرويها الوزير نجّار لـ"نداء السنين" في "نداء الوطن" والـ"أم تي في". في هذه الحلقة الأولى يتحدّث عن بداياته السياسية والحزبية من مدرسة عينطورة في كسروان إلى مدرسة "الكتائب"، ويكشف كيف غطّى حزب الكتائب والشيخ بيار، الرئيس شارل حلو و"اتفاق القاهرة".
قبل 65 عامًا ما الذي أخذك إلى "الكتائب" وأنت تلميذ في مدرسة عينطورة؟
قناة السويس.
لماذا؟
سنة 1956 حصلت حرب فرنسا وبريطانيا وإسرائيل ضد مصر. كان عمري 15 سنة. هذه الحرب حصلت بعد تأميم الرئيس المصري جمال عبد الناصر قناة السويس. كانت الحال في المنطقة صعبة جدًّا لأنّنا شعرنا أنّ شيئًا خطيرًا يحصل، وهو تهديد الحرّيات في لبنان لأنّ الدعوة الناصرية لم تكن مقتصرة فقط على مصر، بل كان هناك تجاوب كبير معها في لبنان من قبل فئات ومكوِّنات لم تكن تهادن ما يسمى الحقوق المسيحية. أتذكّر أوّل خطاب ألقيتُه في مدرسة عينطورة هاجمت فيه عبد الناصر. هذا الأمر كان بداية وعْيٍ سياسي والتزام. وعي أنّنا في خطر، والتزام أنّه يجب أن تكون عندنا قضية واحدة هي لبنان. وقتها أسّست في عينطورة خليّة للتلامذة وصلت لتضم نحو 105 تلاميذ من أصل 500. احمرّت العين منّي. كنّا نجتمع في الصفوف لدرجة أنّ آخر السنة لم يقبلوا أن أُكمل وقرّروا طردي لأنّنا عملنا احتفالا ودعونا الشيخ بيار الجميل الذي دخل إلى المدرسة من الباب الرئيسي، وكانت قامته طويلة وهو يلقي التحية علينا وقد عملنا له استقبالا كبيرًا.
هذا ما أهّلك لتكون رئيس مصلحة الطلاب لاحقًا؟
هذا ما جعلني أتعرّف على جماعات وأشخاص أحدهم أرثوذكسي في الأشرفية قال لي: ما في مانع بين الأرثوذكسية و"الكتائب". كانوا يفكّرون أن "الكتائب" موارنة فقط؟ في أميون كانوا يعتقدون أن الأرثوذكسية يجب أن تكون إمّا مع سوريا الكبرى أو مع الحزب الشيوعي.
أميون حيث كنت تعيش؟
نعم. بيت جدّي من أميون وولدت وعشت في الشمال. مع أنّ جدّي ديب (والد أمه) كان يقرأ جريدة "العمل" ولكنّ المحيط كان أرثوذكسيًا، ولم يكن يتقبّل غير الفكرة السورية القومية الاجتماعية أو الشيوعية وكنت أرفض ذلك. كنت أقول معقول كون ملحد شيوعي؟ معقول كون مع سوريا الكبرى؟ لأ. بدّي لبنان كبير وليس سوريا كبرى. هذا الشعار رافقني كل حياتي. عندما حصلت حرب 1975 -1976 رفعت شعارات لا ترضى بلبنان إلا في حدوده الدولية على الأقل. هذه الكلمة "على الأقل" كانت تعني لي الكثير وكنت أردّدها أمام بشير الجميل. هذه الكلمة كان لها معنى ومغزى أدى إلى اعتماد شعار الـ10452 كلم مربع. وقتها تعرّفت إلى جورج كسّاب الذي أدخلني إلى منظّمة الشباب. كان ممنوعًا على الذين عمرهم أقل من 21 عامًا أن يدخلوا إلى حزب "الكتائب". كان هناك منظّمة يرأسها جوزاف أسود صهر الشيخ بيار، وجرّب لاحقًا أن يعمل محاولة إنقلاب على فؤاد شهاب مع الجنرال غازي وغيره سنة 1961. وقتها دخلت في منظّمة الشباب التي كان التزامها لبنانيًا ولكن لم تكن منظّمة سياسية. كان الشيخ بيار يعتقد أنّ الشباب مش لازم يفوتوا عالحزب لأنّ السياسة كانت محصورة بالكبار الراشدين.
هل من كان ينتسب إلى "الكتائب" يمر بمرحلة تأهيلية؟
نعم. وقتها، في منظّمة الشباب، كنّا نخضع لتدريبات، لدرجة أن جورج كسّاب منحني ثقته، وصرت مساعده الأيمن. وتدريجيًا، كبُر التزامي مع ثورة 1958، وصرت أتردّد أكثر إلى حزب "الكتائب"، وأقسمت اليمين. وعندما دخلت إلى الجامعة، سنة أولى حقوق، اتّضح لي أنّه لا توجد مصلحة طلاب بل مفوّضية، لأنّهم كانوا في الحزب يعتبرون أن الطلاب لا يزالون صغارًا. كنّا نجتمع في بيت "الكتائب"، في مفوّضية الطلاب تحت، حتى لا يكون لنا دور سياسي كبير. وهكذا، تدريجيًا، عندما دخلت إلى كلية الحقوق، طُلِب منّي أن أؤسّس مصلحة الطلاب، فأسّستها، وكبرت حتى صارت من المصالح المركزية في الحزب.
هل ترقّيت بسرعة داخل سلطة القرار في الحزب حتى صرت في المكتب السياسي؟
لم أدخل سريعًا إلى المكتب السياسي. كان الشيخ بيار يريدنا أن ندخل إلى المكتب السياسي. كان يقول: هؤلاء الشباب بدل ما يناقروا من برّا خلّيهم يتفضّلوا لجوّا. يفوتوا عالمكتب السياسي نختار منهم 2 أو 3 وبزيادة حتى نمتصّ النقمة. ومن موقعي كرئيس مصلحة الطلاب كان من المفترض أن أستمع إلى مطالبات الشباب والطلاب والوضع الاجتماعي والفكري الذي نعيش فيه، وما كانوا متقبّلين أن يكون حزب "الكتائب" عنده جذور فاشية، بمعنى تلْبُس عسكري وتضرب سلام مثل كأنّك عسكر للحزب. متل النازية. ويكون عندك شعار مثل النازية، أو مثل الزوبعة عند الحزب السوري القومي الاجتماعي. "الكتائب" صار عندها الأرزة. ما كان هناك قبول بين الطلاب أن تكون للحزب جذور فاشية. هذا الأمر كان يزعج الشيخ بيار. قبل أن نأتي ونؤسّس مصلحة الطلاب كان مرّ الحزب في مرحلة حصلت فيها خضّة كبيرة لأن اليساريين، كنخلة مطران وجوزاف مغيزل، حاولوا أن يُحدِثوا خضّة ويأخذوا الحزب نحو اليسار وهذا ما أدّى إلى عزلهم من الحزب. كان الشيخ بيار يضلّ نقزانًا ومتوجِّسًا من أن نعمل نفس الشيء ونُحدِث خضّة لأخذ الحزب نحو اليسار ولكنّه كان يثق بي.
كيف كانت تركيبة المكتب السياسي في تلك المرحلة؟
لم يكن مبنيًّا على انتخابات. كانت توجد نواة.
كان يضم متموّلين؟ عقائديين؟ عسكريين؟
نواة عيَّنهم الشيخ بيار ونائبه جوزاف شادر والأمين العام جوزاف سعادة. هؤلاء كانوا موجودين والانتخابات غير موجودة، إلى أن فتح باب الانتخابات لانتخاب إثنين فقط. ولكن لم أقبل أن أترشّح. قلت وقتها ما بدّي فوت على المكتب السياسي لأنّ الشيخ بيار يريد أن يمتصّ النقمة. أريد أن أبقى أمينًا لرفاقي الطلاب. وأتذكّر أنّني طلبت من صديقي الدكتور إيلي كرامة أن يترشّح ودعمناه ووصل. أوّل مرّة ترشحت كانت سنة 1977 وفزت ونلت أكبر عدد من الأصوات لأنّ المصالح المركزية صوّتت لي. بعد ذلك ما عدت ترشّحت لأنّني عندما ترشّحت مرة ثانية طلعت عالمنخار بسبب معارضة من الشيخ يوسف الضاهر الذي كان يعتبر أنّني معارض للإقطاعية في الحزب.
كنت رئيس إقليم الكورة الكتائبي وكان رئيس أقاليم الشمال. في مرحلة اتفاق القاهرة عام 1969 كيف كان جو المكتب السياسي؟ هل كان مطلوبًا من الحزب أن يغطي الرئيس شارل حلو؟
"اتفاق القاهرة" رافقتْه اشكالات خطيرة. ما عرفنا شو فيه بالأول. كان ممنوعًا أن يُنشر. كنا نتساءل على شو اتفق لبنان مع المقاومة الفلسطينية؟ وكنت خائفًا من أن يتنازل لبنان عن سيادته وهذا غير قانوني وغير دستوري. لا يمكن التنازل حتى لو وقّع رئيس الجمهورية. هذه أمور لا تجوز دستوريًا. مثل اتفاق حارة حريك أنتم تهتمّون بالمقاومة ضد إسرائيل ونحن نطلب منكم أن لا تديروا مدافعكم إلى الداخل.
قصدت التفاهم بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله"؟
هذا تنازل عن السيادة اللبنانية والدستور. أحكي كرجل قانون. وقتها انطرح الموضوع بـ"الوشوشة" وكان الشيخ بيار حافظ سرّ شارل حلو لأنّه كان يعتبر أنّ ثلاثة أقانيم في لبنان لا يجب أن يمسّها أحد: أولا رئاسة الجمهورية، ثانيًا البطريركية المارونية، وثالثًا قيادة الجيش. هذه أقانيم مارونية لا يجب أن يمسّها أحد بأي طريقة من الطرق. وبالتالي إذا عرَّضت الرئيس شارل حلو للانتقاد وطعنت باتفاق أَقَرَّهُ فهذا يعني أنّك تُضعف رئاسة الجمهورية. لذلك كان هذا الأمر مغلّفًا بالكتمان والسرّية و"أوعا ما تحكوا ضدّ شارل حلو. نحن مجبورون على دعمه. نحن جنود البابا. نحن جنود رئاسة الجمهورية".
لم تكن هناك علاقة بمسألة أنّ الرئيس شارل حلو كان من المؤسّسين لحزب "الكتائب"؟
كان يلعب "فوتبول" مع الشيخ بيار ووالدي أيضًا.
هذا الاتفاق أوصل إلى وضع خطير عام 1973؟
أتذكر مرة دخلت لعند الشيخ بيار وكان جالسًا مع جوزاف شادر وجوزاف سعادة وقلت له: بدّك تسمح لي بدّي قلّك شغلة. هذا الاتفاق ما إلنا حق نصادق عليه لأنّه مخالف للدستور وللمصلحة اللبنانية العليا وسيؤدّي إلى التنازل عن جزء من التراب اللبناني لمنظمة ليست دولة. قال لي: ابراهيم أنا ما طالب منّك تعطينا متايِل (أمثولات). نحنا مجبورين نعمل اللي عم نعملو لأن إذا ما عملنا هيك في عواقب خطيرة. لم يستمعوا إليّ. غضِب منّي وقتها جوزاف شادر. على كل حال لم يكن بإمكاني إلا أن أقول ما قلته وقد بقي ضمن الجدران الأربعة ومع الوقت صار اللي صار.
يتبع الخميس 4 حزيران 2026:
تسليح المسيحيين وسرّ باخرة الأكوامارينا
هل هدّد فرنجية بالتقسيم ولماذا؟
لماذا رفض إده عرض الشيخ بيار؟