لم يكن سقوط قلعة الشقيف، أو بوفور، عام 2026 خبرًا عسكريًا عاديًا. فالقلعة ليست موقعًا أثريًا فقط، بل نقطة استراتيجية تطل على الليطاني والنبطية وعمق الجنوب. لذلك، أعاد سقوطها فتح ذاكرة حزيران 1982، يوم دخلت إسرائيل إلى لبنان تحت عنوان ضرب منظمة التحرير الفلسطينية، بعدما تحوّل الجنوب إلى قاعدة عسكرية خارج سلطة الدولة.
لم يأتِ اجتياح 1982 من فراغ. فمنذ اتفاق القاهرة عام 1969، ثم انتقال الثقل الفلسطيني المسلح إلى لبنان بعد أحداث الأردن عام 1970، خرجت مناطق واسعة من الجنوب والمخيمات عن سلطة الدولة اللبنانية. أصبحت منظمة التحرير تدير جزءًا من القرار الأمني والعسكري، وتستخدم الأرض اللبنانية في صراع إقليمي لا تملك بيروت التحكم بنتائجه. وهكذا تحوّل لبنان من دولة ذات حدود إلى ساحة مفتوحة.
في 6 حزيران 1982، عبر نحو 40 ألف جندي إسرائيلي الحدود مع مئات الدبابات والآليات المدرعة. تقدّمت القوات الإسرائيلية على ثلاثة محاور: شرقي نحو البقاع، وأوسط نحو قلعة الشقيف، وساحلي باتجاه صور وصيدا وبيروت. وخلال أيام قليلة، وصلت القوات الإسرائيلية إلى مشارف العاصمة. كان ميزان القوى مختلا: جيش نظامي ضخم، وتفوّق جوي وبحري، ودعم سياسي دولي، في مواجهة التنظيمات الفلسطينية المسلحة، التي كانت عاجزة عن حماية دولة أو إدارة حرب نظامية.
قلعة الشقيف كانت يومها رمزًا لهذا الانهيار. موقعها جعلها هدفًا عسكريًا، لكنها كشفت أيضًا حجم انكشاف الساحة. فعندما تتحول القرى والتلال والقلاع إلى منصات عسكرية خارج قرار الدولة، تصبح الأرض اللبنانية جزءًا من خرائط الآخرين. وعندما يغيب الجيش الشرعي عن قرار الحرب والسلم، يصبح المواطن هو من يدفع الثمن.
المفارقة المؤلمة أن عام 2026 يعيد إنتاج المنطق نفسه بأسماء مختلفة. في 1982، كان العنوان الإسرائيلي ضرب البنية العسكرية الفلسطينية. في 2026، العنوان المعلن هو ضرب بنية "حزب الله" في مرتفعات الشقيف ووادي السلوقي. بين المرحلتين، تغيّرت التنظيمات والرايات، لكن الثابت بقي واحدًا: كلما استقر سلاح غير شرعي على أرض لبنانية، تحوّلت السيادة إلى شعار، والقرى إلى دروع، والآثار إلى مواقع عسكرية، والناس إلى كلفة جانبية في حروب الآخرين. وقد أعلنت إسرائيل أن العملية تستهدف بنى عسكرية لـ "حزب الله"، فيما رُفعت الأعلام الإسرائيلية فوق القلعة في مشهد بالغ الرمزية.
لا يعني ذلك تبرير الاجتياح الإسرائيلي، لا في 1982 ولا في 2026. إسرائيل تبقى قوة معتدية كلما دخلت أرضًا لبنانية. لكن رفض الاحتلال لا يكتمل من دون الاعتراف بسبب الانكشاف اللبناني: مصادرة قرار الدولة. لا الفلسطيني المسلح حمى لبنان عام 1982، ولا السلاح الإيراني يحميه اليوم. كلاهما حوّل الجنوب إلى ساحة، واللبنانيين إلى وقود.
سقوط قلعة الشقيف ليس سقوط حجر. إنه سقوط جديد لفكرة الدولة حين يُترك قرار الحرب لغيرها. ومن لا يتعلم من بوفور 1982، سيبقى يشاهد بوفور 2026 بالصدمة نفسها، والخسارة نفسها، والدم اللبناني نفسه.