واشنطن
يعود اللبنانيون والإسرائيليون إلى واشنطن لجولة مفاوضات سياسية حاسمة اليوم وغدًا، في ظل جو يسوده الحذر، خصوصًا بعد محدودية ما حققته الجولة الأمنية التي استضافها البنتاغون في 29 أيار الماضي، والتي كان من المفترض أن تحرز تقدماً تقنياً وتخفف التوتر على الحدود.
وأمس بدا ترامب وكأنه يلوّح بما وصفه دبلوماسي أميركي بـ "دعوة غير رسمية لخفض التصعيد". فتصريحاته ألمحت إلى وجود قناة تواصل مع "حزب الله" عبر وسطاء. واعتبر الدبلوماسي إلى أن ترامب كان يشير إلى كلام علي حمدان، مستشار الرئيس نبيه بري، والذي أكد تواصله مع السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى. ومع انتقاد الدبلوماسي الأميركي لخطوة "تجاوز" بري للرئيس اللبناني والتوجه مباشرة إلى عيسى، أشار إلى أن هذه الخطوة إيجابية بالنسبة لإسرائيل وللولايات المتحدة لأنها تسمح بوقف "حزب الله" عن استهداف شمال إسرائيل.
وفي سياق متصل، صدر بيان عن القصر الجمهوري أشار إلى أن بيروت تلقت تأكيداً بموافقة "حزب الله" على المقترح الأميركي الذي يقضي بوقفٍ متبادل للهجمات. وفي وقت لاحق، أجرى الرئيس الأميركي اتصالاً بسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى معوض، وأبلغها بأنه حصل على موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الترتيب المقترح. وأضاف البيان أنه من المقرر أن تتواصل اجتماعات التفاوض المقررة اليوم الثلاثاء وغدًا الأربعاء لمناقشة هذا التقدم والبناء عليه.
في المقابل، اعتبر مصدر أميركي أنه بالرغم من أن عبارات ترامب فضفاضة وشاملة للغاية، لكن يمكن قراءة هذا المشهد باعتباره محاولة من الرئيس الاميركي لاستعراض سيطرته وهيمنته على جبهات متعددة في آن واحد: الردع، وإدارة وقف إطلاق النار، ودبلوماسية الضغط. إذ يتم تقديم ملف لبنان باعتباره أمراً محسوماً، فيما يُقدَّم ملف إيران باعتباره أمراً اختيارياً وثانوياً مقارنة بأهدافه الأمنية الأوسع نطاقاً. وتابع المصدر إن المعنى العملي لكلام ترامب هو على الأرجح إمكانية الإعلان عن تفاهم دبلوماسي في خلال المحادثات المرتقبة.
ووفقاً لمصادر قريبة من البنتاغون، علمت "نداء الوطن" أن الاجتماعات التي ترأسها وكيل وزارة الحرب الأميركي وحضرها وفدان عسكريان لبناني وإسرائيلي لم تفضِ إلى نتائج ملموسة. إذ لم يتم التوصل إلى أي اتفاق بشأن وقف إطلاق النار، ناهيك عن ترتيب خطوات خفض التصعيد. وأشارت المصادر إلى أن الطرفين بحثا خلال ساعات من الاجتماع، قضايا إجرائية كإقامة آليات لمنع التصادم، والبحث في ماهية "المنطقة التجريبية" لنشر تدريجي للجيش اللبناني في جنوب لبنان، ومن يتحرك أولاً. لكن معالم الجمود كانت واضحة: إسرائيل لا تزال تطالب بتحرك ملموس ضد حزب الله قبل أي انسحاب، بينما يُصر لبنان على وقف فوري لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي كشرط مسبق لأي انتشار موسع للجيش اللبناني.
وتشير مصادر دبلوماسية أميركية الى أن هذا الجمود نقل ثقل التوقعات والحاجة لإيجاد مخارج "مبدعة" للمسار السياسي الذي ينعقد اليوم في وزارة الخارجية الأميركية. هنا يأمل المسؤولون الأميركيون في تجاوز ما عجز عنه البنتاغون: إيجاد سبل لتقريب وجهات النظر المتضاربة جوهريًا، إضافة إلى إقناع المسؤولين في لبنان بتمكين الجيش من التحرك "حيث لا يزال يتردد حتى الآن".
يكمن جوهر نهج واشنطن في اقتراح تسلسلي الترتيب يعكس كلاً من ضرورات الأمن الإسرائيلي وإحباط واشنطن المزمن من استقلالية حزب الله ضمن الدولة. فقد أوضح مسؤول أميركي موقف وزير الخارجية ماركو روبيو صراحةً، بأنه يجب على حزب الله وقف الهجمات على إسرائيل كخطوة أولى... عندها فقط ستمتنع إسرائيل عن المزيد من التصعيد في بيروت.
هذا ليس عرضاً لاتفاق وقف إطلاق نار بحد ذاته، بل بحسب المصادر الأميركية، هو إطار تفاوضي يضع العبء بشكل مباشر على حزب الله، وعلى "القيادة اللبنانية المنقسمة". فالرسالة الأميركية واضحة: من غير المتوقع أن يُطلب من إسرائيل أن تتحمل هجمات مستمرة من منظمة تصنفها واشنطن إرهابية، وأي أمل في ترتيب حدودي مستدام يعتمد على استعداد بيروت لفرض سيادتها على أنشطة "الحزب".
وللمرة الأولى، تقول المصادر الأميركية، رسمت واشنطن أيضاً خطوطاً حادة (sharp lines) داخل الطبقة السياسية اللبنانية. فقد أُشيد بالرئيس جوزاف عون لجهوده "الشجاعة" في السعي لاتفاق، فيما تم التركيز على الرئيس نبيه بري باعتباره "مراوغاً ومخيباً للآمال". وقالت المصادر إن ذلك يؤشر على نية واشنطن مكافأة المنخرطين وعزل المعرقلين في آن. غير أن هذه المصادر حذرت مما أظهرته محادثات المسار الأمني خصوصًا لجهة صعوبة تحويل الإرادة السياسية إلى واقع عملي.
وقال دبلوماسي أميركي سابق إنه من الناحية النظرية، يمكن اعتبار هذه التصريحات خطوة باتجاه إعادة بناء الثقة. من هنا تمثل محادثات اليوم السياسية اختباراً مهما، عساها تجيب عن الأسئلة الأساسية: هل تستطيع السلطة المدنية في لبنان تفويض ودعم تحرك تدريجي للجيش؟ هل تستطيع الولايات المتحدة تحديد تسلسل خطوات متبادلة دقيق بما يكفي لطمأنة إسرائيل دون إضعاف لبنان؟ وهل يمكن تغليف أي ترتيب مبدئي كخطوة لتعزيز السيادة، لا كتنازل للضغط الإسرائيلي؟
يبدو أن المسؤولين الأميركيين يفضلون بشكل متزايد نهجاً تدريجياً قائماً على الأداء: مناطق صغيرة، عمليات انتشار متدرجة، وإعادة انتشار إسرائيلية محدودة، كل خطوة مشروطة بإجراء لبناني حقيقي وقابل للتحقق. وسترتبط المساعدات المقدمة للجيش اللبناني والحوافز الدبلوماسية بهذه المعايير.
وتشير المصادر إلى وجود إشارات ضعيفة إلى أن هذا النهج قد يحظى ببعض الزخم، لكن العقبات هائلة. فالقليلون في واشنطن يتوقعون أن تسفر محادثات 2 و3 حزيران عن اختراق دراماتيكي. وبدلاً من ذلك، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً هي الاستمرار في العملية، توافق مبدئي على خفض التصعيد على مراحل. أما وقف إطلاق النار الشامل الذي يطالب به الطرفان، فلا يزال رهينة ليس للمفاوضات في واشنطن، بل أيضاً للديناميات الأميركية في المنطقة، إضافة الى قدرة حزب الله على العرقلة.
لقد كشف المسار الأمني عن حدود الحوار التقني في غياب الشجاعة السياسية. لكن في نهاية المطاف، سيتحدد مستقبل المحادثات بين لبنان وإسرائيل على الأرض من خلال استعداد الدولة للتحرك، وقدرة الدبلوماسية الأميركية على تحويل الخطوات التدريجية إلى أكثر من مجرد عملية شكلية.