لم تأتِ المفاوضات المطروحة في واشنطن من فراغ، وليست تفصيلاً دبلوماسياً عابراً في مسار أزمة عادية. إنها النتيجة المباشرة لمسار طويل من العجز الرسمي: عجز الدولة عن احتكار قرار الحرب والسلم، وعجز المؤسسات عن ضبط الحدود، وعجز السلطة عن تحويل شرعيتها الدستورية إلى سلطة فعلية قادرة على القرار والتنفيذ. لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا يبدأ من سؤال التفاوض بحد ذاته، بل من سؤال الدولة: هل يملك لبنان سلطة قادرة على أن تفاوض، وتلتزم، وتنفّذ، وتمنع إعادة إنتاج الخلل نفسه تحت عناوين جديدة؟
من هنا، جاء كلام الدكتور سمير جعجع عن أن التفاوض هو الخيار الوحيد المتاح حالياً لتجنّب الأسوأ، وأن لا شيء سينقذ لبنان ما لم تصبح الدولة “دولة فعلية”، كتوصيف دقيق للحظة اللبنانية لا كموقف عابر في سجال داخلي. فالمسألة لم تعد تتعلق بالرغبة في التفاوض أو رفضه، بل بقدرة لبنان على أن يكون طرفاً جدياً في أي مسار سياسي أو أمني. لأن الدولة التي تفاوض باسم البلد في الخارج، ثم تعجز عن فرض قرارها في الداخل، تفقد تدريجياً صدقيتها، وتتحول من طرف على الطاولة إلى ملف يُدار على طاولات الآخرين.
في السياسة، هناك لحظات يصبح فيها التردد أخطر من القرار، والصمت شراكة في العجز، والهروب من الحقيقة انتحاراً سياسياً بطيئاً. ولبنان يقف اليوم عند هذه النقطة الحرجة. فالأزمة لم تعد قابلة للإدارة بالخطابات، ولا للتأجيل عبر التسويات الهشة، ولا للتغطية بشعارات الصمود فيما الأرض تُستنزف والاقتصاد يترنح والمؤسسات تفقد معناها. لقد استُنزفت البدائل، وحين تتحول الحدود إلى مساحة مفتوحة لحسابات إقليمية تتجاوز مصلحة الوطن، يصبح التفاوض الرسمي، مهما كان صعباً ومثقلاً بالشروط، أقل كلفة من استمرار النزيف.
لكن الخطأ الأكبر أن يعتقد لبنان أن واشنطن، أو أي عاصمة أخرى، قادرة على أن تحلّ مكان الدولة. الخارج قد يفتح نافذة، وقد يؤمّن مظلة، وقد يضغط، وقد يمنع الأسوأ، لكنه لا يستطيع أن يمنح اللبنانيين ما يرفض بعض الداخل منحه للبنان: جيشاً يحتكر القوة، ومؤسسات تقرر السلم والحرب، وحدوداً مضبوطة، وجمهورية تتصرف كدولة لا كساحة. الخارج يساعد حين يجد دولة، لكنه لا يصنع دولة نيابة عن أهلها. والمجتمع الدولي لا يحترم سلطة تطلب حماية سيادتها في الخارج، فيما تقبل بتفريغ هذه السيادة من مضمونها في الداخل.
هنا تكمن المفارقة اللبنانية الكبرى. هناك من يريد من الخارج أن يوقف الحرب، ويردع إسرائيل، ويمنع الانهيار، ويفتح أبواب المساعدات، لكنه يرفض في الداخل دفع الثمن السياسي لقيام الدولة. يريد نتائج الدولة من دون قيامها، وسيادتها من دون قرارها، وحمايتها من دون حصرية السلاح بيدها. وهذه هي الاستحالة التي حكمت لبنان طوال عقود: طلب الإنقاذ من الخارج، مع تعطيل شروط الإنقاذ في الداخل.
لذلك، فإن دعم مسار التفاوض ليس تنازلاً سيادياً، بل قد يكون موقفاً سيادياً بامتياز إذا دخلته الدولة بمنطق واضح وحاسم: لا سلاح خارج الشرعية، ولا قرار حرب خارج المؤسسات، ولا جبهة مفتوحة خارج المصلحة الوطنية، ولا وظيفة للبنان كصندوق بريد إقليمي أو منصة اشتباك بالوكالة. فالتفاوض ليس بديلاً عن السيادة، بل يمكن أن يكون أداة لاستعادتها، شرط ألا يتحول إلى إدارة جديدة للخلل نفسه، أو إلى غطاء لتهدئة مؤقتة تعيد إنتاج الانفجار لاحقاً.
المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في غياب القرارات، بل في غياب التنفيذ. كم من القرارات اتُّخذت ولم تُطبّق؟ كم من البيانات أكدت سلطة الدولة وبقيت حبراً على ورق؟ كم من التعهدات قُدمت في الداخل والخارج ثم اصطدمت بواقع أن الدولة لا تملك وحدها قرار الأرض؟ لهذا لا تُقاس جدية المرحلة بقوة العبارات ولا بحسن النوايا، بل بالقدرة على تغيير الوقائع: من يملك السلاح؟ من يقرر الحرب؟ من يضبط الحدود؟ من يحاسب المخالف؟ ومن يتحدث باسم لبنان عندما يسأل العالم: أين الدولة؟
إن بعض القوى لا تزال تتعامل مع الدولة كديكور سياسي لا كمرجعية نهائية. تريدها أن تدفع الرواتب، وتطلب المساعدات، وتتحمل مسؤولية الخراب، وتفاوض حين تضيق الخيارات، لكنها تمنعها من أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة في الأمن والحدود والحرب. هذه ليست شراكة وطنية، بل مصادرة للجمهورية تحت شعار التوازن الداخلي. وهي ليست مقاومة لمشروع خارجي، بل تعطيل لمشروع الدولة لحساب مشروع يتجاوز لبنان ويستنزفه.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى خطابات شعبوية إضافية عن الكرامة، بل إلى قرار يعيد للكرامة معناها العملي. كرامة الدولة أن يكون جيشها وحده صاحب السلطة العسكرية. وكرامة المواطن ألا يستيقظ رهينة حرب لا يعرف من قررها ولا كيف تنتهي. وكرامة الجنوب ألا يبقى خط تماس دائماً بانتظار إشارات الإقليم وتسوياته. وكرامة الجمهورية ألا تبقى معلّقة بين مؤسسة رسمية مسؤولة وسلاح موازٍ يملك حق الفرض والاعتراض والتعطيل.
السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان اللبنانيون يحبون التفاوض أم لا. السؤال هو: ما البديل؟ هل البديل حرب مفتوحة واستنزاف دائم؟ هل البديل انتظار طهران؟ هل البديل ربط مصير لبنان بطاولات إقليمية لا يجلس عليها اللبنانيون؟ هل البديل أن يبقى الجنوب ينزف، والاقتصاد ينهار، والشباب يهاجر، والمؤسسات تتآكل، فيما تُستخدم كلمة “الصمود” لتغطية غياب الدولة؟ من يملك بديلاً أقل كلفة وأكثر قدرة على حماية لبنان فليطرحه. أما الاكتفاء بالتخوين والتهويل، فهو استمرار للنهج الذي أوصل البلد إلى حافة الأسوأ.
الدولة الفعلية ليست بياناً وزارياً ولا صورة تذكارية ولا قراراً لا يجد طريقه إلى التنفيذ. الدولة الفعلية هي قرار واحد للحرب والسلم، وسلاح واحد، ومرجعية واحدة، وحدود مضبوطة، ومؤسسات قادرة على الفعل لا على التبرير. هي أن يعرف العالم مع من يتحدث عندما يتحدث مع لبنان، وأن يعرف اللبنانيون من يحميهم، ومن يقرر باسمهم، ومن يحاسبونه عند الخطأ.
وهذا التحول يحتاج إلى شجاعة سياسية لا شعبوية. شجاعة تقول إن حماية لبنان لا تكون بإبقائه في قلب الحرب، بل بإخراجه من وظيفة الحرب. وإن حماية الجنوب لا تكون بتحويله إلى مساحة اختبار دائمة لرسائل الإقليم، بل بإعادته إلى كنف الجيش والقانون. وإن حماية الطائفة الشيعية نفسها لا تكون بربط مستقبلها بسلاح يستجلب عليها العزلة والدمار والضغط، بل بإعادتها كاملة إلى قلب الدولة، شريكة في القرار لا رهينة في مشروع عسكري يتجاوز لبنان.
كل تهدئة لا تعيد القرار إلى الدولة هي تأجيل للأزمة لا حلّ لها. وكل تفاوض لا ينتهي إلى تثبيت سلطة الشرعية هو إدارة جديدة للخلل نفسه. لا خلاص بالإنكار، ولا استقرار بنصف دولة، ولا سيادة بقرارين، ولا اقتصاد تحت تهديد الحرب، ولا ثقة دولية ببلد لا يحتكر قراره.
مفاوضات واشنطن قد تكون امتحان اللحظة، لكنها ليست الجواب النهائي. الجواب هو أن تصبح الدولة صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم، والحدود والسلاح، والتفاوض والمحاسبة. فلبنان لا يحتاج إلى هدنة جديدة تؤجل الانفجار، بل إلى قرار نهائي ينهي نظام الحروب المتكررة ومنطق خطف الجمهورية.