المقدمة
منذ أن نظر الإنسان لأول مرة إلى السماء بحثًا عن الهدف من الحياة، بدأت تتوالد الأفكار الدينية والعقائد والفلسفات "المختلفة" للإجابة على الأسئلة التي رافقته منذ فجر التاريخ: من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ ما هو الخير؟ ما هو الشر؟ ما هو هدف الحياة، وما هي الحياة بشكل عام؟
كانت الأديان مصدر القيم والأخلاق والمعنى في حياتنا على مر أجيال وأنتجت حضارات وثقافات عظيمة؛ لكن التاريخ نفسه هو مفارقة مؤلمة إذ ان الأديان التي كان من المفترض أن تساعدنا وتكون سببًا للخير والكرامة كانت كذلك مواقع للصراع بين الناس، والعقائد التي كان من المفترض أن توحد الإنسانية، كانت بدلاً من ذلك أسبابًا لانقسامها.
هنا يأتي السؤال الاساسي: هل الدين والعقيدة هي في خدمة قيم الإنسانية، أم أن الإنسانية وُجِدت لتكون أداة في خدمة العقيدة؟ هل يمكن لأي فكرة، مهما كانت مقدسة، أن تكون أكثر قيمة من الحياة والكرامة الإنسانية؟
هذا السؤال لا يستهدف الإيمان بل يدافع عنه في أعلى معانيه. يهدف إلى وضع الإنسانية في مركز الاهتمام الأخلاقي، كالغرض الذي نشأت من أجله الاديان في الأصل.
الإنسانية في قلب الاديان
عندما نعود إلى جوهر الأديان، نرى أن الانسانية موجودة في مركزها، اذ لم تكن الرسائل الإلهية - في الأساس - لحماية المؤسسات، ولا لترسيخ الهويات المغلقة، ولا لتبرير الحروب والصراعات؛ بل لتوجيه الإنسانية نحو العدالة والرحمة والكرامة، وضبط الانحرافات....
هذا يعني أن الإنسانية لم تكن أبدًا عنصرًا هامشيًا في المشروع الديني بل المفروض انها كانت مركزه وغايته.
إذا كانت العقيدة الدينية جيدة للإنسان، فيجب ان تكون جيدة للإنسانية. لكن إذا كان هدفها إذلال أو استبعاد أو التضحية بالإنسان، فإنها تفقد شيئًا جوهريا من روحها الأصلية، مهما حافظت بعناية على قدسيتها الشكلية.
الإنسانية كغاية وليست وسيلة
الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت Immanuel Kant هو أحد أهم الأسس الفلسفية للنظر في هذه القضية. ففي فلسفته الأخلاقية الشهيرة يؤكد أن الإنسان يجب أن يُعامل دائماً كغاية في ذاته، لا كوسيلة لتحقيق أهداف أخرى.
هذا مبدأ بسيط جدًا، لكنه ثورة أخلاقية في حد ذاته، إذا كانت الإنسانية غاية في حد ذاتها، فلا ينبغي التضحية بها من أجل الدولة؛ ليس من الجيد التخلي عنها من أجل الحزب؛ لا ينبغي التضحية بها من أجل القائد؛ لا يجب التضحية بها من أجل العقيدة. لأن قيمة الإنسانية تسبق كل هذه الانتماءات.
إن العقائد تتعدد، والأنظمة تتغير، والأحزاب تصعد وتسقط، أما الكرامة الإنسانية فتبقى القيمة الثابتة التي لا يجوز التنازل عنها.
عندما تصبح العقيدة غاية
المشكلة ليست في العقيدة نفسها بل في اللحظة التي تتحول فيها من وسيلة إلى غاية، أي عندما تصبح الفكرة أكثر أهمية من الانسان، هنا يبدأ الخلل الأخلاقي.
فعندما يصبح الدفاع عن العقيدة أكثر أهمية من حماية الانسان، تصبح العقيدة سلطة. وفي اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مجرد رقم في مشروع أكبر، تفقد العقيدة معناها الإنساني، وبالفعل ذاته بُعدها الديني والالهي.
شهد التاريخ أمثلة لا حصر لها من الحركات الدينية والوطنية والثورية التي اعتبرت القضية اهم وارفع من الانسان والإنسانية، وأصبح الفرد قابلاً للاستبدال، في معدلة سياسية او عقائدية، وأصبح الموت من أجل الفكرة أكثر قيمة من العيش من أجلها.
هنا يكمن الخطر الحقيقي، فالحضارة لا تُبنى بالموت بل بالحياة؛ ولا تنهض الأمم بعدد الذين يموتون دفاعًا عنها، بل بعدد الذين يعيشون لتطويرها.
بين الشهادة وتمجيد الشهادة
إن النقد الموجه لتقديم العقيدة على الإنسان لا يعني التقليل من قيمة التضحية أو إنكار حق الشعوب في الدفاع عن أوطانها وأرضها وكرامتها. فالتاريخ الإنساني مليء بأشخاص ضحوا بحياتهم دفاعاً عن أوطانهم وأسرهم وحريتهم وحقهم في الوجود، وهؤلاء يحتلون مكانة مشرّفة في ذاكرة الشعوب.
غير أن هناك فرقاً فلسفياً وأخلاقياً عميقاً بين من يختار الدفاع عن أرضه مع إدراكه أن الموت قد يكون نتيجة محتملة، وبين من يصبح الموت نفسه هدفاً أو قيمة عليا بحد ذاته. فالمقاتل الذي يحمل السلاح دفاعاً عن بيته أو وطنه لا يذهب بحثاً عن الموت، بل يذهب دفاعاً عن الحياة. وهو لا يقاتل لأنه يريد أن يموت، بل لأنه يريد أن يحيا حراً، ويريد لمن يحبهم أن يعيشوا بكرامة، ولا يهمه طريقة تحقيق هذا الهدف، وإذا استشهد، فإن شهادته تكون نتيجة محتملة لا غاية مقصودة.
أما عندما تتحول الشهادة إلى هدف قائم بذاته، وعندما يصبح الموت معياراً أعلى من الحياة، وتُقدّم التهاني، فإننا نكون أمام انتقال خطير من ثقافة الدفاع عن الحياة الإنسانية إلى ثقافة التقديس المجرد للموت. الفرق بين الحالتين هو الفرق بين إنسان يدافع عن الحياة ولو كلّفه ذلك حياته، وإنسان يُطلب منه أن يجعل حياته أقل قيمة من العقيدة التي يؤمن بها.
إن حب الوطن لا يُقاس بالرغبة في الموت من أجله، بل بالرغبة في بنائه. والانتماء الحقيقي للأرض لا يظهر فقط في ساحات القتال، بل يظهر أيضاً في المدرسة والجامعة والمستشفى والمصنع والمختبر وورش الإعمار وكل مكان يساهم فيه الإنسان في صناعة مستقبل أفضل للإنسانية ولمجتمعه.
ولهذا فإن أسمى أشكال الشهادة ليست السعي إلى الموت، بل التمسك بالحياة الكريمة والدفاع عنها. فالشهيد الحقيقي هو من كان هدفه حماية الإنسان والأرض والحرية، فجاء الموت نتيجة لتلك الحماية، لا غايةً سعى إليها لذاتها.
ومن هنا يمكن القول إن قيمة التضحية لا تنبع من الموت نفسه، بل من القيمة الإنسانية التي دافع عنها صاحبها. فالأرض تستحق أن ندافع عنها لأنها تحتضن البشر، والوطن يستحق أن نحميه لأنه بيت الإنسان، والحرية تستحق أن نصونها لأنها تحفظ كرامته. أما إذا غابت الانسانية عن المعادلة، فقدت التضحية معناها الأخلاقي مهما بدت عظيمة في ظاهرها وبُعدها العقائدي.
"حزب الله" كنموذج
في السياق اللبناني الحالي، يمكن اعتبار تجربة حزبالا نموذجًا يستحق الدراسة الفلسفية، بعيدًا عن الأحكام السياسية المباشرة. والتبعية الواضحة لمشروعه. حيث يعتمد الحزب على هدف عقائدي واضح يضع الشهادة والتضحية والموت في مركز قاعدته الفكرية.
من هذا المنظور، تُعتبر حياة الفرد جزءًا من مشروع جماعي أكبر يتعلق بالعقيدة والقضية والمواجهة المستمرة.
لكن السؤال المركزي في التفكير الإنساني ليس ما إذا كانت القضية عادلة أم لا، بل ما إذا كان ينبغي للإنسانية أن تخدم القضية.
من المنظور الإنساني، لا تتعلق قيمة المجتمع بعدد الذين ماتوا بل بكيفية حماية حياة هؤلاء الناس. قوة العقيدة ليست في قدرتها على إنتاج الشهداء؛ بل في قدرتها على إنتاج إنسان حر، كريم وآمن ومستقر في بيته وبلدته وانتمائه الجغرافي.
الأم التي تفقد ابنها لا تُعوض بالشعارات، والطفل الذي يفقد والده لا يُعوض بالعقيدة والتهاني والتبريكات، والشخص الذي يفقد حياته لا تُعيده أي قضية، مهما كانت عظيمة.
لذا يبقى السؤال الأخلاقي، هل تدعو العقيدة الناس للموت والدمار والتهجير و"الفداء"؟ أم دورها وهدفها الأساس ان تساعدهم على العيش حياة أكثر "إنسانية" وأرفع اخلاقيا وكرامة ومعنى واستقرارا ورفاهية؟
سبينوزا وأركون: الحقيقة لا تنتمي لأحد
انتقد باروخ سبينوزا Baruch Spinoza احتكار الحقيقة باسم الدين لأن جوهر الإيمان لا يكمن في الصراع العقائدي بل في العدالة والحب. وكان للمفكر محمد أركون Mohammed Arkoun سؤال مهم جدًا:
هل الدين هو المشكلة، أم أن قراءتنا البشرية للدين هي المشكلة؟
العديد من المعارك في العقيدة كانت في الواقع معارك حول السلطة والمصالح والتفسيرات البشرية بحجج دينية أكثر مما كانت صراعات دينية حقيقية، إذ لا يمكن ان يكون هناك وجود ل "الله" الذي يدعو الى القتل او الحرب او الدمار او الاجرام او الموت "من اجله". وإذا أدركنا مدى صغر معرفتنا وتحجيمنا للحقيقة والذات الالهية، نصبح أكثر تواضعًا وأكثر استعدادًا لتقبل الآخر.
لبنان: عندما تتغلب العقيدة على المواطنية الانسانية
ربما لا يوجد مثال أوضح من اوضاع لبنان اليوم لفهم خطر تفضيل العقيدة على الإنسانية. في بلد متعدد الطوائف والانتماءات، يدفع اللبنانيون ثمنًا باهظًا حيث تغلب الهوية العقائدية على قيم المواطن الانسان.
يموت اللبنانيون كمواطنين دفاعًا عن شعارات عقائدية غير مرتبطة بمواطنيتهم. والنتيجة واحدة، الخاسر الأكبر هو الإنسان اللبناني نفسه؛ العاطل عن العمل الذي لا يسأل الفقر عن عقيدته؛ المريض الذي لا تسأل صحته عن عقيدته.؛ المهجر والنازح الذي لا يسأل بيتُه وسقفُ إيوائه عن عقيدته؛ والمهاجر الذي يغادر وطنه لا بسبب الشعارات بل بسبب نقص الكرامة والاستقرار والفرص والأمل وعدم احترام الحد الأدنى من متطلبات انسانيته.
لبنان يحتاج اليوم إلى تحول مجتمعي وثقافي من منطق خدمة الجماعة إلى خدمة الإنسانية، من المخلوق التابع إلى المواطن المنتمي....
الإنسانية والدين
قد يظن البعض أن تفضيل الإنسانية يعني تجريد الدين من أهميته. لكن الحقيقة هي العكس تمامًا.
الإنسانية لا تتعارض بأي شكل من الأشكال مع الدين بل هي الاختبار الحقيقي لصدقه.
إذا كان الدين يتطلب الرحمة، فالإنسانية هي موضوع الرحمة.
إذا كان الدين يطلب العدالة، فالإنسانية هي غاية العدالة.
إذا كان الدين يأمر بالكرامة، فالإنسانية هي التي ستحمل هذه الكرامة.
لذلك، فإن أفضل الأديان ليست تلك التي ترفع أكبر عدد من الشعارات، بل تلك التي تجعل الإنسانية أكثر رحمة وتسامحًا وعدلا ومحبة وسلاماً.
الخاتمة
السؤال ليس أيهما أهم، الإنسان أم العقيدة؟ لأن العقيدة في أصلها وجدت من أجل الإنسان، والدين في جوهره جاء ليرتقي بالإنسان، والأخلاق وجدت لتغمر الإنسان.
بالتالي، فإن أعلى معيار أخلاقي لأي دين او عقيدة أو حزب أو أيديولوجية أو مشروع سياسي ليس عدد مؤيديه، ولا عدد الذين يضحون من أجله، بل كيف يحافظ على كرامة الإنسان وحريته وحياته.
فحين تتعارض العقيدة مع الإنسان، يجب أن ينتصر الإنسان.
وحين تتعارض الشعارات مع الكرامة، يجب أن تنتصر الكرامة.
لأن الإنسان هو الأصل، والإنسانية هي الأسمى.
أما العقائد، مهما بلغت عظمتها، تبقى وسائل لارتقاء الانسان لا غايات يُضحّى به من أجلها. وفي نهاية المطاف، قد تختلف الأديان والعقائد، وقد تتبدل الأفكار والأنظمة، لكن الحقيقة المطلقة والجامعة التي تبقى ثابتة هي أن الإنسان، قبل كل شيء، إنسان.