رفعت "الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية" بقيادة المايسترو العالمي كريم سعيد راية الصمود الإبداعي، في الأمسية الموسيقية التي احتضنتها "الكنيسة الإنجيلية الأولى" في بيروت، بدعوة من رئيسة "المعهد الوطني العالي للموسيقى"، المؤلفة الموسيقية هبة القواس.
افتتحت القواس الحفل بكلمة قالت فيها: "تتجلى خصوصية هذه الأمسية الليلة، كما الأمسية التي سبقتها، في أن الموسيقى في لبنان غدت أداة لكتابة التاريخ والهوية في زمن الحرب... فدورنا الجوهري في هذه الأوقات العصيبة، وسط كل هذا الدمار والموت، هو أن نقف بثبات وألا ندع لحظات هذا التاريخ العريق تتوقف أو تنكسر".
وفي لفتة وفاء، وجّهت القواس تحية إجلال للموسيقيين، واصفةً إياهم بـ"المناضلين الحقيقيين" الذين يتحدون الصعاب يوميًا للوصول إلى التمارين، لكي يقدموا حفلات تُشبه جوهر الإنسان اللبناني الذي جُبل على مجابهة الحروب بالاستمرارية وبناء المستقبل. كما خصّت القواس بالتحية أعضاء "الأوركسترا اللبنانية للشباب" (NYO) الذين انضموا إلى "الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية" ليجاوروا أساتذتهم. وتابعت معبرةً عن تقديرها الاستثنائي للمايسترو وعازف البيانو العالمي كريم سعيد، ولم تنسَ القواس أن تحيي الجمهور الحاضر، معتبرةً أن كل من تحمل عناء الحضور في هذه الظروف هو شريك مناضل في صناعة الثقافة وحماية وجه لبنان الحضاري.
افتتحت الأوركسترا الحفل بدرّة البرنامج والحدث الأبرز في الأمسية: "الكونشيرتو الثلاثي" للعبقري لودفيغ فان بيتهوفن. هذا العمل الفريد، الذي كُتب في فيينا مطلع القرن التاسع عشر ويحمل قيمة فنية وتاريخية هائلة، يتطلب مهارات سولو جبارة وتنسيقًا رفيع المستوى. وهنا برزت البراعة المطلقة للعازفتين المنفردتين: الكونسرت ماستر أوليانا كيسليتسينا (Uliana Kislitsyna) على الكمان، وبولينا توغاشيفا (Polina Tugasheva) على التشيللو، اللتين شكلتا مع المايسترو كريم سعيد على البيانو ثلاثيًا حواريًا متناغمًا اتسم بالعمق العاطفي والتوافق الأدائي الرفيع.
ثم انتقلت الأوركسترا إلى الإنتاج الأكاديمي والجمالي المحلي عبر تقديم "الرقصات اللبنانية" للمؤلف اللبناني المعاصر إياد كنعان. وتعد هذه المقطوعات القصيرة بمثابة النظير الشرقي لرقصات موزارت الألمانية أو رقصات برامز الهنغارية، إذ تميزت ببنية أوركسترالية رصينة وقوالب لحنية متجذرة في التراث والموروث اللبناني العريق.
واختتمت الأمسية بالسمفونية الثالثة لفيليكس مندلسون المعروفة باسم "السمفونية الاسكتلندية". هذا العمل التعبيري الملحمي المستوحى من رحلة مندلسون إلى أطلال "كنيسة هوليرود" في إدنبرة، قُدّم بأسلوب متصل ومنساب بين حركاته الأربع، واهبًا الجمهور رحلة عاطفية تفيض بالشجن والملحمية وأجواء الفولكلور الاسكتلندي الحيوي، لينتهي العمل بنغمة مجيدة تشبه نشيد النصر المطلق في كودا الحركة الأخيرة.