فيليب عادل حنين

الأستاذ والبيك: آخر مشروع مشترك ناجح

3 دقائق للقراءة

كلما اشتدّ الضغط على إيران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، استعانت بحليفها الوفي، رئيس المنظومة، لتحريك قنواته وإبلاغ الأميركيين باستعداد "حزب الله" للالتزام بوقف إطلاق النار.

ومرة جديدة، يتجاوز الأستاذ مؤسسات الدولة ويصادر صلاحياتها، رغم أن أي قرار يتعلّق بالحرب والسلم أو بالتفاوض يجب أن يصدر عن رئيس الجمهورية و/أو مجلس الوزراء، لا عبر قنوات حزبية أو شخصية.

واللافت أن الأستاذ يتحدّث عن الالتزام بوقف إطلاق النار، لكنه يتجنب عمداً أي حديث عن تسليم السلاح. فإذا كان السلاح لن يُستخدم في مواجهة إسرائيل، فلأي غاية سيبقى؟ وهل المقصود الاحتفاظ به كورقة نفوذ داخلية في لبنان؟ وهل التزم "حزب الله" بالتعهّد الذي نقله الأستاذ إلى الحكم، بعدم الدخول في حرب إسناد لإيران بعد اغتيال المرشد علي خامنئي؟

يصرّ الأستاذ على إبقاء مصير لبنان مرتبطاً بإيران وحساباتها الإقليمية. فليتحمّل هو والبيك، وكل من يشجّع هذا النهج، كامل المسؤولية عن نتائجه وتداعياته.

ويمثل الأستاذ والبيك نهجاً سياسياً عاجزاً عن تخيّل لبنان دولة طبيعية، سيدة وحرة؛ دولة لا تُعرّف نفسها من خلال صراعات المنطقة، قومية كانت أم عقائدية أم دينية، بل من خلال مصالح شعبها ومؤسساتها الشرعية.

ويبدو أن الرجلين ما زالا يحيّكان لما بعد وقف الحرب، وكأن لبنان ساحة مفتوحة للمساومات والتسويات. فهما لا يحضران في المراحل الأخيرة من كل اتفاق لإنهاء الأزمات، بل لوضع لمساتهما الأخيرة التي تضمن بقاء التوازنات نفسها، واستمرار الشروط السياسية التي سمحت للمنظومة بالبقاء رغم كل الانهيارات التي تسببت بها. وتلك التفاصيل التي تبدو للبعض تقنية أو ثانوية ليست سوى آلية لإعادة إنتاج المنظومة نفسها، وإبقاء لبنان رهينة التوازنات المشوّهة التي عطّلت قيام الدولة لعقود.

أما فرنسا، فحدّث ولا حرج. فهي لا تتعب من تقديم نفسها كصديق تاريخي للبنان، لكنها تثبت مرة بعد مرة أن أولويتها ليست قيام دولة لبنانية قوية وسيدة، بل الحفاظ على الطبقة السياسية التقليدية نفسها التي أوصلت البلد إلى الانهيار. فباريس لا تبحث عن تغيير حقيقي بقدر ما تبحث عن شركاء محليين يضمنون استمرار نفوذها ومصالحها في المنطقة. لذلك ليس مستغرباً أن نراها دائماً إلى جانب الوجوه نفسها، مهما كان سجلها في الفساد أو الفشل أو تعطيل قيام الدولة.

لقد دفع اللبنانيون أثمان هذه الحروب والتسويات أكثر مما يكفي. ومن البديهي أن يتطلع كل لبناني إلى وقف القتل والدمار والتهجير وعودة الناس إلى بيوتها وحياتها الطبيعية. لكن ما يحتاجه لبنان ليس مجرد وقفٍ لإطلاق النار يعيد إنتاج الأزمة نفسها بعد أشهر أو سنوات، بل نهايةٌ للمنظومة التي صنعتها وأبقتها حيّة لعقود. فالدولة لا تُبنى بالوسطاء، ولا بالصفقات، ولا بحراس الأمر الواقع. الدولة تُبنى عندما يصبح السلاح للدولة وحدها، والقرار للدولة وحدها، والولاء للبنان وحده.

فبعد عقود من الأزمات والحروب والتسويات العقيمة، يبدو أن المشروع المشترك الأكثر نجاحاً بين الأستاذ والبيك لم يكن بناء الدولة، بل إعادة تدوير الأزمة جيلاً بعد جيل.