حيدر الأمين

بين وهم التفاوض وقداسة الشعارات: من يحمي الجنوب... ومن يحمي الوطن؟

6 دقائق للقراءة

في الأزمات الكبرى تختلط المفاهيم، وتصبح الكلمات الكبيرة قادرة على إخفاء الأسئلة الأكثر إلحاحًا. فالسيادة تُختزل أحيانًا في خطاب، والمقاومة تُختزل في فعل عسكري محدود، والتفاوض يتحول إلى غاية بحد ذاته بدل أن يكون وسيلة لتحقيق أهداف وطنية واضحة.

وفي لبنان، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فمن جهة، هناك حديث دائم عن المفاوضات والضغوط الدولية والقرارات الأممية. ومن جهة أخرى، هناك واقع ميداني يكشف أن الدولة لا تزال عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة واحتكار قرار الحرب والسلم على كامل أراضيها. وبين هذين المشهدين يقف المواطن اللبناني، ولا سيما في الجنوب، ليدفع الثمن الأكبر من دمه وبيته وأرضه ومستقبل أبنائه.

إن المفاوضات ليست مجرد لقاءات أو أوراق عمل أو بيانات سياسية. فالتفاوض الحقيقي هو امتداد للقوة والسيادة والقدرة على التنفيذ. والدولة التي لا تترجم سلطتها إلى حضور فعلي على الأرض، ولا تفرض القانون بوصفه المرجعية الوحيدة للجميع، تدخل إلى أي مفاوضات وهي تفتقد جزءًا أساسيًا من عناصر القوة.

فالسيادة لا تُمارس بالكلمات، بل بالفعل. والحدود لا تُحمى بالخطابات، بل بسلطة دولة قادرة على بسط حضورها وعلى امتلاك القرار الوطني بصورة واضحة وغير ملتبسة. أما عندما تبقى الدولة مترددة بين الحسابات الداخلية والتوازنات السياسية والرهان على الخارج، فإن المفاوضات تتحول إلى إدارة للأزمة بدل أن تكون طريقًا لحلها.

لكن الإشكالية لا تقف عند حدود الدولة وحدها. فهناك سؤال آخر لا يقل أهمية: ما معنى المقاومة؟ وهل يكفي إطلاق صاروخ أو طائرة مسيّرة حتى نكون أمام فعل مقاوم ناجح ومجدٍ؟ إن اختزال المقاومة في مجرد فعل عسكري آني هو تبسيط شديد لمفهوم أكثر تعقيدًا وعمقًا. فالمقاومة ليست حدثًا منفصلًا عن المجتمع الذي يحملها، وليست مجرد قدرة على إطلاق النار. المقاومة في جوهرها مشروع حماية للأرض والإنسان والكرامة والسيادة. وهي تُقاس بقدرتها على منع العدو من تحقيق أهدافه، لا فقط بقدرتها على إيصال رسالة عسكرية أو إعلامية مؤقتة.

فإذا كان الرد على عملية محدودة يتمثل في تدمير قرى بأكملها، وتهجير آلاف العائلات، وإضعاف البنية الاجتماعية والاقتصادية لمناطق كاملة، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال حول جدوى الاستراتيجية المعتمدة. ليس انتقاصًا من أحد، ولا خدمة للعدو، بل دفاعًا عن حق المجتمع في فهم ما يجري باسمه وعلى أرضه.

وهنا يبرز اعتراض يتكرر كثيرًا: أن طرح هذه الأسئلة هو تقليل من شأن تضحيات المقاومين أو تنكر لدماء الشهداء. غير أن هذا الاعتراض يخلط بين أمرين مختلفين تمامًا. فاحترام التضحيات واجب أخلاقي وإنساني. وكل من ضحى دفاعًا عن أرضه أو وطنه يستحق الاحترام مهما اختلف الناس في تقييم الخيارات السياسية والعسكرية التي أحاطت بتلك التضحيات. لكن احترام التضحيات لا يعني منح حصانة مطلقة للاستراتيجيات أو القيادات أو القرارات.

فالتضحية قيمة أخلاقية، أما الاستراتيجية فهي شأن سياسي وعسكري يخضع للنقاش والتقييم والمراجعة. وإلا لأصبح وجود الشهداء كافيًا لإغلاق باب التفكير والمساءلة إلى الأبد. إن التكريم الحقيقي لمن ضحوا لا يكون بتحويل أسمائهم إلى دروع سياسية، بل بالسعي إلى التأكد من أن تضحياتهم تُستثمر في خدمة المجتمع والوطن، لا في تعميق أزماتهما أو منع الناس من طرح الأسئلة المشروعة. غير أن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في الجدل حول الاستراتيجيات، بل في طبيعة المناخ الفكري الذي يُدار فيه هذا الجدل.

فأخطر ما يصيب المجتمعات في أوقات الصراع ليس قوة العدو الخارجي وحدها، بل تراجع قدرتها الداخلية على السؤال. عندما يصبح السؤال تهمة، والمراجعة خيانة، والنقد إساءة للتضحيات، تدخل الحياة العامة في حالة من الجمود الفكري والسياسي. وعندها لا يعود المجتمع شريكًا في تقرير مصيره، بل مجرد متلقٍّ للقرارات ومطالبٍ بدفع أثمانها.

إن الأمم الحية لا تخاف من الأسئلة، لأنها تدرك أن النقد ليس نقيض الانتماء، بل أحد شروطه. فالمراجعة ليست طعنًا في التضحيات، بل محاولة لحمايتها من أن تُهدر. أما تحويل أي نقاش إلى معركة أخلاقية بين "مخلصين" و"خونة"، فلا يؤدي إلا إلى إضعاف القدرة الجماعية على تصحيح الأخطاء والتعلم من التجارب. لقد أثبتت السنوات الماضية أن الجنوب اللبناني لم يكن فقط ساحة مواجهة مع إسرائيل، بل أصبح أيضًا ساحة استنزاف متواصل. فكل جولة جديدة تترك خلفها بيوتًا مهدمة، وأراضي محروقة، وأسرًا مهجرة، واقتصادًا أكثر ضعفًا، فيما يستمر العدو في استثمار هذا الاستنزاف لتحقيق أهدافه السياسية والأمنية بعيدة المدى.

وفي المقابل، تستمر الدولة في عجزها عن التحول إلى مرجعية سيادية فعلية، بينما يبقى المجتمع عالقًا بين خطاب تفاوضي لا يملك عناصر القوة الكافية، وخطاب مقاوم يرفض أحيانًا إخضاع نفسه لمعيار النتائج والكلفة الوطنية.

وهكذا يجد اللبناني نفسه أمام معادلة قاسية: تفاوض لا يستند إلى سيادة مكتملة، واستراتيجية ميدانية لا تخضع دائمًا للمراجعة المطلوبة، ودولة عاجزة عن الجمع بين حماية المجتمع وصيانة القرار الوطني. إن الوطن ليس منصة لإطلاق الرسائل العسكرية، وليس صندوق بريد تتبادل عبره القوى المتصارعة إشاراتها. الوطن هو الناس الذين يعيشون على هذه الأرض، وهو القرى والمدن والمؤسسات والذاكرة والمستقبل. ولهذا فإن أي مشروع سياسي أو عسكري أو تفاوضي يفقد معناه عندما يصبح المجتمع نفسه هو الخاسر الأكبر.

إن لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات، بل إلى وضوح فكري وشجاعة سياسية. يحتاج إلى دولة تستعيد سيادتها كاملة، وإلى نقاش وطني صريح حول معنى المقاومة وأهدافها وحدودها، وإلى مقاربة تضع حماية الإنسان والأرض في قلب أي استراتيجية.

فالتفاوض بلا سيادة وهم، والسيادة بلا دولة وهم، والمقاومة التي تُمنع من المراجعة تفقد إحدى أهم أدوات قوتها، وهي القدرة على التعلم والتصحيح. أما الوطن، فلا يحميه الصمت، ولا تحميه القداسة السياسية، بل تحميه الحقيقة، وحرية السؤال، وشجاعة المراجعة، والإصرار على أن تكون مصلحة الناس فوق كل اعتبار. فحين يصبح السؤال ممنوعًا، يصبح الخطأ أبديًا. وحين تصبح المراجعة محرمة، يصبح الوطن كله هو من يدفع الثمن.