تُبنى الأوطان، أيّ أوطان، على عقد اجتماعي صلب، أو تتفكّك. فكيف يتخيّل المدافعون عن النظام المركزي نهاية مسار الانهيار في لبنان، وهو مستمرّ رغم تحلّل مؤسّساته؟ بنيويًا، إنّ سقوط مشروع لبنان الكبير “الاندماجي” ــ بمعزل عن المكانة الروحية لراعيه، أعني البطريرك الحويك ــ فضائحيّ تحديدًا، لأنّه يأتي بعد قرن من مزاعم "العيش المشترك"، و"لبنان الرسالة"، وانصهار المكوّنات. أمّا الزجليّات السياسية التي تسعى إلى تصوير هذا الفشل الهيكلي كنجاح توافقي، فليست سوى كلام فارغ.
أذكر هنا، مثلًا، هذيان ميشال عون بأن "لبنان أكبر من أن يُبلع وأصغر من أن يُقسّم"، في حين ابتلعه السوري لعقود، ثم الإيراني، وذلك بدعم وتسهيل من مكوّنات المجتمع اللبناني نفسها. أو خذ، مثلًا، تغريدات فارس سعيد عن "العروبة" واستجداء المسلمين للحفاظ على "الموقع المسيحي الأوحد في المشرق"، بينما تتذابح المكوّنات نفسها على انتقال ملكية عقار في القبيات إلى طائفة مختلفة، في مشهد يؤكّد أنّها تخوض معركة وجودية لا خلافًا عقاريًا عابرًا.
يعلم أيّ مواطن عادي ما أظهرته العقود الماضية: أنّ القدرة على التعطيل، والابتزاز الديموغرافي، واختطاف الإدارات، كلّها نتائج حتمية لنظام مركزي مشوّه. ويعلم أيّ عاقل أيضًا أن سرديّات "الوحدة الوطنيّة" المتخيّلة ليست أكثر من خرافة. فتكاد سنوات الأزمات والحروب الأهلية تفوق سنوات الاستقرار، إلى درجة تفضح مزاعم الفرادة اللبنانية. لا شيء في الإرباك الواضح، والترقيع، والتكاذب اليومي، يشي بنظام سياسي قابل للحياة؛ بل إنّ كل المؤشرات تفضح عودة متكرّرة لأزمات قديمة-حديثة، مثل انهيار اللّيرة، والفصائل المسلّحة، والاغتيالات السياسية، والبطالة، والإنماء غير المتوازن، والحرمان الدافع إلى التطرّف، وهي أزمات يحاول المستفيدون من بقائها تجميلها وإخفاءها.
ثم إنّ التداخل الديموغرافي والنمو السكاني كرّسا حدودًا نفسية وثقافية ستبقى تتحكّم باليوميات اللبنانية حتى إشعار آخر. فهذا النظام المركزي التوافقي ينسف ما يزعم حمايته في البنية المجتمعية، ولا يوجد أي أفق دستوري أمام صيغته العقيمة؛ فخسائره تزداد، وستزداد أكثر، حتى الوصول إلى نظام فدرالي يشبه طبيعة المجتمع اللبناني.
ومع ذلك، لا تريد النخب السياسية الاعتراف بالواقع، بل تخوّن وتُجهّل كل من يطرح الفدرالية، لأنّه يواجهها بالحقيقة. فيما مضى، اختارت مجتمعات معقّدة، كسويسرا، التفاوض على فدرالية صلبة، فاستعادت استقرارها. واختار لبنان المركزية التوافقية، فخسر دولته. لاحقًا، تورّطنا جميعًا في حروب إلغاء ومحاصصات مذهبية، والتبعات على يوميات اللبنانيين واضحة للعيان. لم ينجح النظام التوافقي في بناء دولة البارحة، ولا تستطيع المركزية المتهالكة أن تدير التعدّدية اليوم أو غدًا. ومع ذلك، تلوّح هذه المركزية، في وجه من يطرح الفدرالية، بتهم التقسيم والعمالة والجهل، لأنّها لا تريد الاعتراف باستحالة العقد الاجتماعي الحالي. فماذا تريد إذًا؟
الجواب، عمليًا: المزيد من خراب لبنان، واستدامة الأزمات، والاحتكاك الديموغرافي المستمر، والعيش في الوهم. بكلمات ثلاث: الانتحار، والعدمية، والعبث. هل تفسّر المصالح الزبائنية والسياسية إصرار نخب المركزية على نظام تخسره كل يوم أكثر؟ أكيد. ولكن تعليقات الرافضين للفدرالية على المنابر، ومقالاتهم، وتنظيرهم، واستسهالهم توزيع شهادات اللاوطنية والجهل بواقع لبنان، والجوّ العام غير العلمي الصادر عن هذه البيئة، لا يمكن اختصارها بتبعية لمصالح ضيقة. فوعي هذه البيئة تحرّكه أيديولوجيا شوفينية لا تخطئها عين، وبروباغندا سياسية لا حدود لإنكارها، وهروب معرفي غير مسبوق من حقائق التاريخ، مع أنّ تاريخنا ليس غريبًا عن تطرّف الجماعات وهواجسها.
كل هذا خلق، ويخلق، حالة ذهنية لن تخرج قريبًا من هذيانها، ولن تتصالح بسهولة مع الواقع حولها، لأنّها مفصولة عنه ذهنيًا على نحو حاد. لقد شخّص روبير دو كيه (Robert de Caix) ــ وهو العقل الإداري والسياسي الأبرز للانتداب الفرنسي في لبنان وسوريا، وأحد الذين وضعوا البنية الأولى للبنان الكبير ــ هذا الانفصال منذ البداية، مؤكدًا أن ما يشكّل القومية الحقيقية للبنان هو المذهب، أي الطائفة. وأشار بوضوح إلى أن فكرة الوطن، أي اتحاد الجميع في مُثُل عليا أو اجتماعية واحدة، عاجزة عن التفوّق على الحواجز المتجذّرة التي تفصل بين المجموعات الدينية المتعدّدة. لقد أدرك دو كيه أن الطوائف في لبنان أمم منفصلة، تطالب كل واحدة منها بحقوقها الخاصة، وأن الطائفية شيء حميم في الوجدان اللبناني. ومع ذلك، ثمّة من يصرّ على أن اتفاق الطائف، بما يتضمّنه من بنود حول إلغاء الطائفية السياسية، هو خشبة خلاص لبنان والأقليات.
بيد أن الأخطر في اعتراف دو كيه يبقى تشخيصه لحدود الشرعية الطائفية، إذ يرى أن كل طائفة في لبنان تعتبر أن لها مشروعية خاصة في التدخل في مصير البلاد. وهذا يتنافى جوهريًا مع أي منطق توافقي مركزي، ولا يمكن تنظيمه إلا ضمن صيغة فدرالية موسّعة جدًا، تضمن للجماعة الطائفية حق تقرير المصير.
ختامًا، هؤلاء الزجّالون، في الحقيقة، خسروا كل معاركهم في بناء دولة مركزية. لكنهم ربحوا، في المقابل، حربًا على العقل اللبناني وجسده، مستمرة منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920.