في لبنان نعمة استثنائية: لدينا بحر. بحر حقيقي، وليس بركة بلديّة محاطة بإطارات سيارات مستعملة وثلاث بطّات مكتئبة. لا. بل هو البحر الأبيض المتوسّط العظيم، أزرق، لامع، تاريخيّ وشاعريّ. بحر مرّ عليه الفينيقيون، والصليبيون، والعثمانيون، والفرنسيون، ومؤثرو "إنستغرام" أيضًا. المشكلة أنّ بيننا وبين هذا البحر تفصيلا صغيرًا: المالكون. ففي لبنان، الشاطئ مفهوم فلسفي. هو موجود، الحمد لله، نراه، نصوّره، نضعه خلفية للهاتف. لكن الوصول إليه يحتاج تقريبًا إلى المعاناة الإدارية نفسها المطلوبة للحصول على رخصة بناء فوق كوكب المريخ.
في الماضي، كان الذهاب إلى البحر يعني منشفة و "سندويش لبنة"، وبالونًا مطاطيًّا على شكل دلفين. اليوم قد يعني بيع كلية، أو طلب قرض سكني، أو الزواج من ابن متعهّد مشاريع ساحلية. اللبناني الحديث لم يعد يقول: "قولك منروح عالبحر؟"، بل صار يسأل: "بتعرف حدا على شي شط؟". فحتى الرمل في لبنان يعمل بالواسطة.
نصل إلى منتجع بحريّ. بدايةً، الاسم وحده كفيل بزرع الثقة: "Blue Diamond Luxury Sunset Resort & Spa Village Beach Experience". اسم طويل لدرجة يبدو كأنه "حكومة وحدة وطنية". عند المدخل، يقف رجل يرتدي الأبيض بالكامل وينظر إلينا وكأننا نطلب طاولة في فندق نجومه لا تُعدّ، بواسطة "بطاقة باص". نسأل بخجل: "مرحبا… قديش الدخولية؟"، فيردّ بهدوء جرّاح يعلن عملية بتر: "إنتو تنين كبار. 80 دولار بس".
هذا خلال أيام الأسبوع فقط! أمّا عطلة نهاية الأسبوع فمخصّصة للأوليغارش، والسفراء، والأشخاص الذين يقولون "ماربيّا" من دون أن يبتلعوا دخان السيجارة الإلكترونية. ثمانون دولارًا. بهذا المبلغ، في أوروبا، يمكننا شراء تذكرة طيران منخفضة التكلفة. أمّا في لبنان، فنحصل على كرسيَّيْ استلقاء مائلَين قليلا، ومظلّة شمسية متعبة، ونادل ينظر إلينا باحتقار لأننا طلبنا ماء من الحنفية.
رسوم على الأوكسيجين
ينبغي الانتباه إلى أنّ الدخول إلى جنّة الدولارات لا يشمل بالضرورة التنفّس. بعض الشواطئ الخاصة قد تبدأ قريبًا بفرض رسوم على أوكسيجين البحر بالساعة. والأجمل هو المصطلحات. لم يعد أحد يقول: "شط Privé". لا، هذا مبتذل جدًا. الآن نقولها بفم يملؤه الكبرياء: "Resort". وكأننا سنقضي ستة أشهر في "سان بارتيليمي"، بينما الحقيقة أننا محاصرون بين "دي جي" يذبح أغاني داليدا، وطفل يصرخ داخل عوامة على شكل وحيد قرن.
اللبناني الفقير، أي نحن الطبقة الوسطى حاليًّا، يعيش تجربة خاصة جدًا على الشاطئ. ندفع ثروة للدخول، ثم نمضي النهار كلّه محاولين تبرير استثمارنا. نأكل ببطء شديد، صحن بطاطا مقلية واحد يتحوّل إلى مشروع طويل الأمد. نشاهد عائلات كاملة تتقاسم زجاجة ماء كما لو أنها في وثائقي من "ناشيونال جيوغرافيك". الأب يهمس: "يا ولاد، شويّ شويّ… بعد لازم أدفع حق الباركينغ".
آه نعم، موقف السيارات! ففي لبنان، حتى سياراتنا "تسمرّ" بسعر فاخر. ندفع رسم الدخول، و "الباركينغ"، وكرسي الاستلقاء، و "المنشفة" إذا نسينا "مناشفنا" بالغلط، وربما ضريبة عاطفية لأننا أطلنا النظر إلى البحر.
ثم هناك الشواطئ العامة. أو بالأحرى، السنتيمترات القليلة التي لم تتحوّل بعد إلى مجمّع سياحي مع مسبح لا متناه. الشواطئ العامة اللبنانية مدهشة. فيها كل شيء: عائلات لطيفة، وباعة ذرة، وأطفال يلعبون، و "راديوات" بأعلى أصواتها… وأحيانًا برّاد قديم عالق منذ "حرب السنتَين". أما الرّمل، فقد استُبدِل بمفهوم جيولوجيّ تجريبيّ مؤلَّف من الحصى، وأغطية المعادن، والصدمات الوطنية.
عبقرينو
ومع ذلك، يذهب الناس إليها، لأن لا خيار لديهم، وهنا تظهر العبقرية اللبنانية. اللبناني قادر على تحويل أي بقعة إلى منتجع سياحي. أعطه قطعة إسمنت مطلّة على البحر، وخلال ربع ساعة سيضع كرسيًّا بلاستيكيًّا، وأركيلة، ومكبّر صوت، وثلاثة أبناء عم، و "جاط تبّولة" يكفي أربعة عشر شخصًا. إننا شعب نرفض بعناد فقدان الكرامة. فحتى من دون وصول حقيقي إلى الشاطئ، يحتفظ اللبناني بعقلية "سان تروبيه". يصل مرتديًا نظارات شمسية ضخمة ويحمل برّادًا يحتوي على اثني عشر كيلوغرامًا من البطيخ.
ثم هناك المؤثّرون. آه، مؤثّرو البحر اللبنانيون، هؤلاء يعيشون في بلد آخر. في لبنان موازٍ حيث الجميع "عبقرينو"، مسمرّون، وأغنياء، ومرطّبون، وعشّاق عند الغروب. ينشرون صورًا مع تعليق "Simple moments"، بينما حولهم ثلاثة مولّدات كهرباء، ورجل يصرخ عبر جهاز لاسلكي، وشخص يرتدي "فانيله" داخلية ويبحث عن "مشايته" منذ ساعتَين.
في لبنان، البحر لا يشفي شيئًا، بل يزيد المشاكل المالية. ربّ العائلة المؤلفة من أربعة أشخاص، والذي ينفق 140 دولارًا على يوم واحد في البحر، يعود أكثر توترًا من وزير مالية قبل مؤتمر "صندوق النقد الدولي". أكثر ما يثير السخرية في كل هذا، أنّ لبنان يملك واحدًا من أجمل السواحل في العالم: نور مذهل، مياه رائعة، وغروب شمس أخّاذ. ومع ذلك، نجحنا في الإنجاز الوطني العظيم، وهو جعل الوصول إلى الطبيعة أعقد من موعد في "الضمان الاجتماعي".
في دول أخرى، الشاطئ للجميع. أما في لبنان، فالشاطئ يخصّ غالبًا أشخاصًا يضعون الحبال، والحواجز، ولافتات "PRIVATE PROPERTY" كل ثمانية أمتار، وكأن "قوات كوماندوس" معادية ستغزو المكان حاملة برّادات صغيرة.
الأثرياء الجدد لا يأتون للسباحة، بل كي يراهم الناس وهم لا يسبحون. يقفون قرب المسبح حاملين كؤوسهم ونظاراتهم الشمسية، بانتظار أن يقول أحد الأقارب: "آه… صاروا يروحوا ع "Coral Vista Imperial Beach Lounge"".
يا اسمر يا ثري
في لبنان، البرونزاج مؤشر اقتصادي. كلّما ازداد الشخص سمرةً في تموز، عرفنا أنّ لديه واحدًا من ثلاثة أمور: شركة مزدهرة، أو نائبًا في العائلة، أو بطاقة مصرفية "طازه" تتألّم بصمت. في هذه الأثناء، تُطوِّر الطبقة الوسطى استراتيجيات بقاء مذهلة: بعضهم يصل عند الخامسة مساءً لأنّ الأسعار تنخفض بعد مغادرة الأغنياء، وآخرون يستخدمون تقنيات تسلّل تليق بأفلام الجاسوسية. تدخل العائلة بشكل منفصل: الأم تدّعي أنها تبحث عن الحمّام، الأب يحمل طفلا كوسيلة تشتيت عاطفي، الجدّة تسير ببطء لتشكّل ازدحامًا بشريًّا، وفجأة يصبح الجميع في الداخل. المهمة نجحت!
اللبناني لا يحتال رغبة بالاحتيال، بل حنينًا إلى الخدمة العامة. ومع ذلك، رغم الأسعار العبثيّة والشواطئ المحتكرة ومواقف السيارات المافيوية، و "الموهيتو" الذي بكلفة عملية جراحية، يستمر الناس في الذهاب إلى البحر. لماذا؟ لأن الشاطئ في لبنان ليس مجرّد مكان. إنه انتقام نفسي. لبضع ساعات، ننسى همومنا كلّها وفواتيرنا والأزمات والمصارف والأخبار والخطب السياسية والجيران الذين يرمّمون منزلهم منذ العام 2014.
ننظر إلى الأفق، نأكل الذرة الساخنة، ننتقد الزبائن الآخرين بهدوء، نستمع إلى أغنية لإليسا تصدح بصوت مرتفع أكثر من اللازم، ونقول لأنفسنا: هذا البلد، رغم كل شيء، ما زال جميلا.
ربما هذه هي المعجزة اللبنانية الحقيقية: أن ننجح في حبّ مكان يفرض علينا رسومًا حتى لمشاهدة غروب الشمس! فاللبناني، في النهاية، رومانسي يتقبّل العبث بأناقة، يدفع 80 دولارًا عن شخصَين زائد نحو 50 دولارًا "فكْوَنِه من قريبو"، ثم يعود إلى منزله فخورًا لأنه "قضى يومًا جميلا". وفي اليوم التالي، عندما يسأله أحدهم: "كيف كان البحر؟"، يجيب بابتسامة مرهقة: "روعة بس المرّة الجايي رح نتفرّج ع البحر على يوتيوب. أوفر بكتير!".