ليس أخطر من تضييع الفرص سوى تبديد الأزمات. ولبنان كان ولا يزال ضحية اللعب الإجرامي بالخطرين معًا على أيدي المافيا السياسية والمالية والميليشيوية المتحكمة به. أما الفرص الضائعة، وهي كثيرة من الاستقلال إلى اليوم، فإنها تقف في الصف وراء الفرصة الأخيرة المفتوحة، المعرّضة لإطلاق النار عليها من إسرائيل و"حزب الله"، وللإغلاق بقوة الدفع المضاد للتسوية التي تحرر لبنان. وأما الأزمات المبدّدة الكثيرة جدًا، وهي الوجه الآخر للفرص، فإنها من النوع الذي ينطبق عليه قول الاقتصادي في جامعة ستانفورد بول رومر: "الأزمة شيء رهيب لكي تبدّده" من دون الحصول على حل جدي.
وإذا كان سحب السلاح غير الشرعي المطلوب داخليًا وخارجيًا هو أكبر الحواجز أمام التسوية في مفاوضات واشنطن، فإن الحفاظ على السلاح الذي يصر عليه "حزب الله" والحرس الثوري الإيراني له دور أكبر من عرقلة التسوية التي يصعب التصور أن إسرائيل تسهّلها. دور ضمن المشروع الإيراني الجيوسياسي والاستراتيجي في تغيير الجيوبوليتيك اللبناني التقليدي من دور "الدولة الحاجز" في الحروب العربية - الإسرائيلية إلى دور الجبهة الأمامية في حرب إيران مع إسرائيل، ثم في حرب أميركا وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية.
مجلس الوزراء قرر سحب السلاح واعتبر النشاطات العسكرية والأمنية لـ "الحزب" خارج القانون، لكنه تأخر في اتخاذ القرار ثم تردد في التنفيذ، وعجز بالطبع عن منع توريط البلد في حرب إسناد لإيران، دمرت إسرائيل خلالها وهجّرت وأعادت الاحتلال إلى الجنوب. والإعلان مؤخرًا أن التنفيذ هو مسار، لا مجرد قرار، يحتاج إلى وقت ومعالجة اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية، يتجاهل أمرين: أولهما أن مشروع "الحزب" وإيران هو "تأبيد" السلاح والرفض الدائم لسحبه بالسلاح والتلويح بتفجير البلد. وثانيهما أن مسألة سحب السلاح واستعادة قرار الحرب والسلم ليست مشروع عشر سنين، وسط ما أوقف مسار الدولة وعقّد حساباتها. ولم يكن رئيس الوزراء البريطاني الراحل هارولد ويلسون يبالغ حين قال: "أسبوع في السياسة زمن طويل". ولا كان الشاعر قسطنطين كفافي يغرد خارج السياسة بالقول: "التصور أنه سيكون لديك غدًا ما يكفي من الوقت هو حكمة كاذبة".
أبسط من ذلك، فإن لبنان بدّد أخطر أزمة نظامية ومصرفية في تاريخه لجهة السطو على المال العام والخاص، من دون أن يوظف الأزمة في التوصل إلى حل جذري. لا بل إن المافيا عرقلت حتى إنجاز قانون لتوزيع الخسائر وتقديم حد أدنى من التسوية لإعادة بعض المال المنهوب للناس في الأزمة المستمرة منذ العام 2019.
وأكثر من ذلك، فإن الوطن الصغير بدّد كل ما وقع فيه من أزمات غير عادية وما قدمته من دروس. من أحداث 1958 وتوالي الحروب كل عشر سنين أو أقل إلى تجارب السلاح الفلسطيني والاجتياحات الإسرائيلية والهيمنة العسكرية والسياسية السورية والهيمنة الإيرانية. ومن حرب لبنان و "اتفاق الطائف" إلى اتفاق الدوحة وإغلاق المجلس النيابي. يقال إن أميركا ولدت في الحرب الأهلية. لكن كل الحروب الأهلية والإقليمية والدولية على أرض لبنان، وكل الجيوش التي جاءت وذهبت، لم تكن ولّادة حل جذري لحماية وطن قوي ومغامرته الرائدة في الشرق عبر دولة مواطنة ديمقراطية بالفعل. والمشكلة في الداخل قبل أن تكون مع الخارج. والتركيبة الحاكمة والمتحكمة رافضة، أو أقله عاجزة، عن القطع مع الماضي، لكنها راغبة وقادرة على القطع مع المستقبل. و"الخوف من السيئ يقودنا إلى الأسوأ"، حسب المثل اللاتيني.