يُقرأ بيان واشنطن الصادر في 3 حزيران على أنه وقف لإطلاق النار. أمّا الحدث الحقيقي فهو التوقيع، وبند واحد فقط سيحسم ما إذا كان سيصمد.
على مدى أجيال، كانت القرارات التي تقيّد لبنان تُتخذ في غرف لا يجلس فيها أي لبناني. في دمشق، حيث كان جهاز المخابرات السوري يدير البلد كملف. ثم في طهران، حيث كان راعي الميليشيا يحدّد أثمان حروب الأمة وهدناتها من دون أن يستشير الدولة التي دفعت الثمن دماً وعملة. في 3 حزيران، في أحد أروقة وزارة الخارجية الأميركية، سارت السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلي إلى الاجتماع نفسه، وكُتب مصير لبنان باسمه.
هذه هي القصة تحت العنوان. ليست الهدنة. بل التوقيع.
اقرأوا البيان المشترك أبعد من سطحه. نعم، الهدنة مشروطة بوقف كامل لنيران حزب الله وبإخلاء كل عنصر من عناصره من قطاع جنوب الليطاني. نعم، اتفقت الأطراف على إنشاء مناطق تجريبية يمسك فيها الجيش اللبناني وحده بالسيطرة، ولا يُسمح لأي فصيل مسلح بالبقاء فيها. لكن الجملة الحاملة للمعنى الحقيقي تأتي أدنى في النص، حيث تختبئ عادة الجمل الحاسمة: أي اتفاق يجب أن يتم مباشرة بين الحكومتين، بوساطة واشنطن، و”ليس عبر أي مسار منفصل”.
هذا البند موجّه إلى عاصمة واحدة، وليست تل أبيب.
طوال أسابيع، حاولت طهران أن تطوي لبنان داخل تفاوضها الخاص مع الولايات المتحدة، أن تجعل بيروت بنداً فرعياً في صفقة لا تكون إسرائيل طرفاً فيها أصلاً. وزير الخارجية عراقجي قال إن الحرب تنتهي عندما تنتهي في لبنان، وإن حزب الله جزء من واقع لبنان، وعلى العالم أن يتعلّم قبوله. بيان واشنطن أجابه بأكثر لغة دبلوماسية باردة: لبنان ليس فصلاً في تسوية إيران. الدولة تمسك بالقلم، لا الوكيل. انزع الطلاء الدبلوماسي، وهذه هي لحظة السيادة الأهم هذا العام: للمرة الأولى منذ عقود، عندما طُرح سؤال “من يتكلم باسم لبنان؟” جاء الجواب: “لبنان”.
سمّوا اليد التي فرضت ذلك. هذا لم يتركّب وحده. الرئيس ترامب جعل هدفين واضحين ورفض أن يتركهما للضباب: نزع سلاح حزب الله، وسير لبنان نحو اتفاقات أبراهام. ثم فعل ما يثبت النية لا العاطفة: أرسل رجله.
ميشال عيسى هو أول سفير أميركي إلى لبنان من أصول لبنانية، ابن بسوس في تلال عاليه، بنى حياته في عالم المال الفرنسي والأميركي، وعاد إلى بلده لا كضيف بل كمنفّذ لفكرة واحدة: حصرية القوة بيد الدولة. ترامب وصفه بالمحارب والصديق، وفي هذه الإدارة ليست هذه المفردات مجاملة بل تفويضاً. يقضي عيسى ولايته ضاغطاً على ملف واحد، نزع السلاح، الضغط المالي على قنوات الميليشيا، واستعادة سلطة الدولة، ويوم انعقدت المحادثات، سار في الممر نفسه مع الرجال الذين أُرسل لتحريكهم. وعندما قال الوزير روبيو أمام مجلس الشيوخ في 2 حزيران إن حزب الله ليس فقط عدواً لإسرائيل وأميركا بل “عدو للبنان”، وضع اسم الحكومة الأميركية على حجة قالها السياديون اللبنانيون، غالباً وحدهم، طوال عشرين عاماً. الخطر لم يكن على الحدود فقط. كان داخل البيت.
ولم يكن أي من ذلك ليصل إلى توقيع من دون فعل شجاعة أكثر هدوءاً في بيروت. الرئيس جوزاف عون اختار المحادثات المباشرة حين كان الخيار الآمن أن يختبئ خلف غير المباشرة، واختار موفداً واحداً مخوّلاً يحمل الصوت اللبناني، السفير السابق سيمون كرم، متجاوزاً محاولة الرئيس بري حصر صوت لبنان بالقناة الشيعية وإبطاء المسار كله. وعندما اتهمه حزب الله بالتفاوض من دون إجماع وطني، طرح جوزاف عون السؤال الوحيد الذي يهم: هل حصلتم على إجماع وطني قبل أن تجرّوا البلد إلى الحرب؟
هنا يتوقف القارئ الصادق عن التصفيق ويبدأ بالمراقبة.
السيادة المعلنة ليست سيادة منفّذة. وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 انهار لسبب بنيوي لا أخلاقي: لم يكن يحمل جدولاً زمنياً، وافترض أن جيشاً سيكمل نزع سلاح ميليشيا لديه كل الأسباب المؤسساتية لتجنّب مواجهتها. المناطق التجريبية هي الرقعة على ذلك الجرح، اختبار مضبوط لمعرفة ما إذا كان الجيش اللبناني قادراً على الإمساك بالأرض وحده. هي تجربة، لا انتصار. الجزء الأصعب من الملف، ترسانة حزب الله شمال الليطاني وفي كل لبنان، مؤجل إلى مرحلة التنفيذ، والتنفيذ هو بالضبط الأرض التي ربح عليها هذا الطرف دائماً.
وقف إطلاق النار مشروط أيضاً بخطوات سبق لقيادة حزب الله أن رفضتها. نعيم قاسم لا يزال يعتبر المفاوضات المباشرة مع إسرائيل تنازلاً مجانياً، ولا يزال يطالب الحكومة بالتخلي عنها. والحرب ليست وراءنا بالكامل. القوات الإسرائيلية لا تزال على أرض لبنانية في الجنوب، والسيادة التي صيغت في فوغي بوتوم يجب أن تُجعل حقيقية في الخيام وبنت جبيل، قرية بعد قرية، وموقعاً متنازعاً عليه بعد آخر.
لذلك، قيسوا هذه اللحظة بما سيليها، لا بالبيان. المسارات تُستأنف في أسبوع 22 حزيران. راقبوا أمراً واحداً قبل كل شيء: هل تأتي المناطق التجريبية مع روزنامة، أم مع فقرة فقط؟ إذا أعادت الدولة تسمية حصرية السلاح، ثم أعادت إحالة التنفيذ إلى الغموض، فلن يكون حزب الله قد خسر الملف. سيكون قد نقل المعركة إلى الأرض الوحيدة التي لا يخسر عليها.
لكن شيئاً تبدّل في ذلك الممر في 3 حزيران، ولا يمكن إعادته إلى ما كان. قيل للراعي في طهران إن الملف لم يعد ملفه. وقيل للميليشيا إنها العقبة، بالاسم، في ثلاث عواصم في وقت واحد. والدولة اللبنانية، للمرة الأولى في حياة معظم مواطنيها، أجابت بنفسها عندما سألها العالم لمن تنتمي. الرهينة وقفت ووقّعت باسمها.
والآن عليها أن تعني ما وقّعت عليه.