أمل شموني

ديفيد ساترفيلد لموقع The Beiruter: لا سيادة للبنان ما دامت قبضة "حزب الله" مستمرة

8 دقائق للقراءة

المصدر: The Beiruter

كتبت أمل شموني في موقع The Beiruter المقال الآتي: 



مع عودة أصوات المدافع لتدوّي مجدداً على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، يجد العالم نفسه أمام مشهد مألوف يتكرر مرة بعد مرة. فحلقة العنف المتمثلة بالغارات الجوية والقصف الصاروخي والجمود الدبلوماسي أصبحت لازمة ثابتة في مشهد الشرق الأوسط. إلا أن الأزمة الحقيقية، وفقاً للسفير الأميركي السابق ديفيد ساترفيلد، لا تكمن فقط في المواجهات على الحدود، بل في القبضة التي يفرضها حزب الله على الدولة اللبنانية. وفي مقابلة موسعة أجرتها "ذا بيروتر" معه في الثاني من يونيو/حزيران 2026، قدّم ساترفيلد، السفير الأميركي السابق في لبنان وأحد أبرز الدبلوماسيين الأميركيين المخضرمين في شؤون الشرق الأوسط والمدير الحالي لمعهد بيكر للسياسات العامة في جامعة رايس، تقييماً حاداً لأزمة لبنان ولحدود الحلول العسكرية والدبلوماسية المطروحة.

قبضة حزب الله: لبنان كدولة رهينة

لا يتردد ساترفيلد في توصيفه للمشهد اللبناني قائلاً:

"قبضة حزب الله الخانقة على الشعب اللبناني وعلى النظام السياسي اللبناني لا تزال مستمرة."

فعلى مدى عقود، عانى لبنان من عدم الاستقرار الداخلي، إلا أن ساترفيلد يرى أن أزمة السيادة التي يعيشها البلد فريدة من نوعها، إذ إن جهة مسلحة واحدة مدعومة من إيران تمسك بمصير الدولة ومستقبلها. وعلى الرغم من الانتقادات العلنية النادرة التي يوجّهها المسؤولون اللبنانيون إلى حزب الله، ومن الرغبة غير المسبوقة لدى أركان السلطة في رؤية الحزب منزوع السلاح، فإن الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك غير متوافرة.

ويعتبر أن خطر الانزلاق إلى حرب أهلية، ولا سيما احتمال انقسام الجيش اللبناني على أسس طائفية، يجعل أي مواجهة مباشرة مع الحزب أمراً مستحيلاً.

ويقول: "لا يمكن لأي قدر من الضغوط أو التهديدات أو الإجراءات الإسرائيلية أن يجبر الحكومة اللبنانية على القيام بأمر لا تملك القدرة الفعلية على تنفيذه."

ويرى أن المأساة تكمن في أن القادة اللبنانيين، رغم رغبتهم في استعادة السيادة الوطنية، عاجزون عن ترجمة هذه الرغبة إلى أفعال. ويضيف: "مهما كانت الإرادة السياسية، وأعتقد أنها كبيرة لدى هذه الحكومة، فهي ترغب في نزع سلاح حزب الله. لا تريد وجود جهة غير حكومية تتحدى سيادة لبنان بعد كل هذه السنوات من اتفاق الطائف، وتبقى الميليشيا الوحيدة التي احتفظت بسلاحها بعد عام 1990. لكن الحكومة لا تملك القدرة المادية على مواجهة حزب الله ونزع سلاحه بالقوة."

عبثية القوة العسكرية: تكرار للتاريخ

يؤكد ساترفيلد أن العمل العسكري الإسرائيلي أو أي عمل عسكري آخر لا يمكن أن يحقق حلاً مستداماً.

ويقول: "التقييم الواقعي يقول إن العمل العسكري الإسرائيلي وحده لا يستطيع تحقيق ذلك."

وبالنسبة له، فإن التجربة التاريخية واضحة. فالغارات الجوية الإسرائيلية والمناطق العازلة والعمليات البرية فشلت مراراً في كسر نفوذ حزب الله.

ويستحضر مقولة مارك توين الشهيرة قائلاً: "التاريخ لا يعيد نفسه لكنه يتشابه. أما في حالة العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، فالأمر ليس تشابهاً، بل تكراراً حرفياً."

ويشير إلى أن ترسخ حزب الله سياسياً وعسكرياً واقتصادياً يجعل الخيارات العسكرية غير فعالة. ويحذر قائلاً: "لا يزال حزب الله يحتفظ بقدرة كبيرة على ضرب إسرائيل، وكذلك إيران. وعلى الرغم من سنوات من الجهود الإسرائيلية والدولية، فإن قدرتهما على إلحاق الضرر لم تتراجع بشكل جوهري."

كما يرفض الروايات التي تتحدث عن إضعاف الحزب بصورة حاسمة، معتبراً أن اندماجه العميق في الدولة والمجتمع اللبنانيين يجعله بمنأى عن تأثير القوة الخارجية.

ويضيف: "لقد جُرّبت الأساليب نفسها والأهداف المعلنة نفسها مراراً خلال نصف القرن الماضي. ولم تنجح. وحدها المفاوضات الدبلوماسية كانت قادرة على إنهاء المواجهات المختلفة التي خاضتها إسرائيل."

الحل السياسي: المسار الوحيد الممكن

إذا كانت القوة العسكرية عاجزة عن تحقيق النتائج المطلوبة، فما البديل؟

يجيب ساترفيلد بأن الحل يكمن في:

"تسوية سياسية وإطار سياسي تُخفض فيه شرعية حزب الله وادعاؤه بأنه وحده حامي لبنان والمدافع عنه إلى الحد الأدنى."

ويقترح مساراً يتطلب من الدولة اللبنانية اتخاذ خطوة غير مسبوقة عبر تجاوز حزب الله والحكومة الإسرائيلية معاً، من خلال إعلان إنهاء حالة الحرب، وترسيم الحدود الدولية رسمياً، وصولاً إلى الالتزام باتفاق سلام رسمي مشروط بانسحاب إسرائيلي كامل.

ويرى أن هذه الخطوات ستقوض آخر المبررات التي يستخدمها حزب الله للاحتفاظ بسلاحه.

لكنه لا يخفي حجم المخاطر المرتبطة بهذا المسار، محذراً: "حزب الله سيقتل وسيستخدم العنف للحفاظ على موقعه."

ويضيف: "لن يقتل رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية، فهو لا يحتاج إلى ذلك. سيكون هناك آخرون."

ويعكس هذا التحذير حجم التحديات التي تواجه أي محاولة لإحداث تغيير جذري في لبنان، إذ يرى أن النجاح يتطلب "شجاعة هائلة" من الدولة اللبنانية، إضافة إلى انخراط أميركي مباشر وعلى أعلى المستويات مع كل من لبنان وإسرائيل.

ويقول: "هذه هي الحقيقة المأساوية للبنان."

دور الولايات المتحدة وحدود نفوذها

يشدد ساترفيلد على أن أي اختراق دبلوماسي حقيقي يتطلب تدخلاً مباشراً من الرئيس الأميركي نفسه.

ويقول: "الأمر يتطلب تدخل رئيس الولايات المتحدة شخصياً، ولا يمكن لأي مسؤول أدنى رتبة أن يقود أو يشكل هذا المسار. ليس فقط مع لبنان، بل أيضاً مع الحكومة الإسرائيلية."

ويرى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تواجه معادلة دقيقة بين منع التصعيد وعدم منح حزب الله أو إيران مكاسب سياسية.

إلا أنه يؤكد أن العقبات ستبقى كبيرة حتى في حال توافر الدعم الأميركي الكامل.

ويقول إن لبنان سيبقى يواجه أزمات بنيوية حتى لو اختفى نفوذ حزب الله بين ليلة وضحاها، موضحاً أن "التحدي لا يقتصر على حزب الله، بل يشمل أيضاً النخب السياسية اللبنانية والأزمات الاقتصادية غير المحلولة، وهي مشكلات ستبقى قائمة حتى لو اختفى نفوذ الحزب."

كما يؤكد أن الولايات المتحدة، رغم قدرتها على تقديم الدعم السياسي والمادي وتحديد خطوط حمراء للسلوك الإسرائيلي ومحاولة تعزيز موقع الدولة اللبنانية، لا تستطيع تجاوز الانقسامات الداخلية اللبنانية أو منع بعض الأطراف من استخدام العنف لحماية نفوذها.

حزب الله: أكثر من مجرد ميليشيا

يحرص ساترفيلد على التمييز بين حزب الله كحزب سياسي شيعي وبين حزب الله كتنظيم مسلح.

ويقول: "العالم لم يعد يميز بين ما يسمى الجناح السياسي لحزب الله والجناح العسكري الإرهابي. إنهما الشيء نفسه. لكن من المهم الإشارة إلى أن المشكلة ليست مع حزب الله كحزب سياسي شيعي، بل مع هذه الجهة المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة وتمارس قبضتها على اللبنانيين."

ويعتبر أن رفض الحزب التحول إلى "مجرد حزب شيعي آخر مثل حركة أمل" هو ما يدفعه إلى الاستمرار في تحدي الدولة اللبنانية والنظام الدولي.

كما أن ارتباطه الوثيق بإيران، وفقاً لساترفيلد، يجعل السيادة اللبنانية منقوصة بصورة جوهرية.

لا مكان للبنان حالياً في اتفاقات أبراهام

في واشنطن وتل أبيب، طُرحت أحياناً فكرة انضمام لبنان إلى اتفاقات أبراهام والسير في مسار تطبيع مشابه لذلك الذي اتبعته الإمارات والبحرين والمغرب.

لكن ساترفيلد يتعامل مع هذا الطرح بواقعية واضحة.

ويقول: "يجب تجاوز حزب الله وكذلك تجاوز الحكومة الإسرائيلية للقيام بهذه الخطوات الجذرية. وأنا أدرك تماماً مدى صعوبة ذلك، فهو يتطلب شجاعة هائلة."

ويضيف: "عندما يتفق لبنان وإسرائيل على حدود دولية معترف بها، تسقط مبررات التحرير. عندها يمكن الانتقال إلى الخطوة الأصعب، وهي السلام الرسمي بين لبنان وإسرائيل، لكن هذا السلام لن يتحقق قبل انسحاب إسرائيل الكامل خلف الحدود الدولية المتفق عليها."

ليس دولة فاشلة بل دولة مقيدة

ورغم تعدد الأزمات التي يواجهها لبنان، يرفض ساترفيلد وصفه بالدولة الفاشلة.

ويقول: "لبنان أصبح خلال السنوات الأخيرة دولة أكثر واقعية وحداثة مما كان عليه خلال العقود الطويلة التي سبقت السنوات العشر أو الخمس عشرة الماضية."

إلا أنه يعتبر أن هذه السيادة تبقى شكلية ما دام حزب الله يحتفظ بسلاحه وبدعمه الإيراني.

ويؤكد أن لبنان سيبقى يواجه أزمة وطنية عميقة حتى لو انتهى نفوذ الحزب غداً.

ويشرح قائلاً: "هناك أزمة وطنية أساسية لا علاقة لها بحزب الله، بل بالنخب اللبنانية، والأزمة المالية، والأزمة المصرفية، والطبيعة القائمة على المصالح الذاتية للقطاع المصرفي."

وبمعنى آخر، فإن حزب الله يمثل العقبة الرئيسية أمام القرار السيادي اللبناني، لكنه ليس الأزمة الوحيدة التي تواجه البلاد.

أمل رغم كل شيء

ورغم واقعيته الصارمة، يختتم ساترفيلد حديثه بنبرة متفائلة بحذر.

ويقول: "أنا متفائل. لست متشائماً."

ورغم ضخامة التحديات، فإنه يرى أن قدرة اللبنانيين على الصمود لا تزال قائمة.

وفي لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، تبدو الرهانات أكبر من أي وقت مضى، إذ يتوقف مستقبل البلاد على قدرة قادتها وشركائهم الدوليين على امتلاك الشجاعة والرؤية اللازمتين للتحرر من قبضة حزب الله واستعادة السيادة الحقيقية.

ويختتم قائلاً: "لا توجد طريقة أخرى للبدء في معالجة قضية حزب الله سوى عبر هذه الخطوات التي تتطلب شجاعة هائلة."

أما البديل، بالنسبة للبنان وللسياسة الأميركية على حد سواء، فهو استمرار الحلقة نفسها: دورة من العنف لا يلوح في نهايتها أي مخرج.