الشارع السنّي يستعيد تدريجيًا نبضه وديناميته السياسية بعد سنوات من التشتت والفراغ والاختراق.
ثمة مشهديات تبدو في ظاهرها مضطربة ومتناقضة، لكنها في جوهرها تعكس مخاضًا سياسيًا عميقًا، تُعاد خلاله صياغة التوازنات وإعادة توزيع الأدوار داخل الساحة السنّية، بما يجعلها حلقات متراكمة في سياق رواية واحدة عنوانها: استعادة الهوية السياسية، واسترداد الإرث الوطني من حالة الاحتلال البنيوي للقرار والوعي والتمثيل.
وبذا نمسي أمام عملية تصحيح تاريخية لمسار طويل من الاختلال الذي طاول البنية السنّية سياسيًا ودينيًا واجتماعيًا وثقافيًا، تمهّد الطريق أمام الانتقال من مفهوم الساحة المستباحة الذي كرّسه "حزب الله" نحو "إسناد" و"نصرة" الدولة، بما يتيح لها تشكيل عنصر توازن حاسم في لحظة "كباش" حاسمة مع مشروع الدويلة المتهالك وأركانه من جماعات موازية.
لقد كان رفيق الحريري، بما امتلكه من حضور عربي ودولي ودعم سعودي استثنائي، يشكّل نقطة التوازن الأساسية في مواجهة التحالف العضوي بين نظام الأسد والمشروع الإيراني التوسعي. وحين اغتاله "حزب الله"، أراد ضرب البنية السياسية التي مثلها، أي فكرة الدولة نفسها باعتبارها المرجعية الوحيدة لإدارة التوازنات الداخلية.
ومذاك شرع "الحزب" في تفكيك البنية السنّية واستباحة هويتها التاريخية. فحوّلها إلى ملعب مفتوح للتجاذبات، ومسرح لتصفية الحسابات الإقليمية عبر منظومة واسعة من الأدوات والوسطاء، فصيّرها مع شركائه من "أهل البيت" في حالة تصحّر تاريخية غدا معها عنوان الاعتدال مرادفًا للخضوع.
إذ اصطنع شبكات نفوذ ومصالح محلية، واستحدث نخبًا سياسية وإعلامية شرهة للمنافع ونفخ في أوزانها، واستمال عمائم ودجّن أخرى، ورعى مجموعات وظيفية أمّن لها حمايات أمنية كي تنشر ثقافة محرّمة قوامها البلطجة والمخدرات الحقيقية والسياسية، واقتصاد النفوذ، وتطبيع العلاقات مع أشكال متعددة من الفوضى الأمنية والاجتماعية.
وعلى طريقة "ناسج السجاد"، ألّف بين هذه العناصر بمقادير لتكون غطاء لمشروع يتناقض مع مفهوم الدولة الذي شكّل تاريخيًا جوهر الهوية السياسية السنّية.
اليوم تظهر ديناميات جديدة في الوعي الجمعي السنّي تحت تأثير التحولات في المنطقة، ولا سيما المتغيّر السوري، وعلى وقع خريطة طريق سعودية للارتصاف خلف الدولة، تجسّد إحدى مسارات رؤية 2030 ببعدها العربي.
ضمن هذا السياق يمكن قراءة جملة الظواهر التي تتفاعل حاليًا داخل الشارع السنّي: الالتفاف حول قضية معتقلي الرأي، تصاعد النقاش حول الحقوق والوظائف العامة وولاءات بعض الموظفين، الحراك المتنامي داخل المؤسسة الدينية، بروز منصات ضغط ورأي ذات سقوف مرتفعة في النقد السياسي، وانتهاء بتشكّل موقف سياسي صلب يحمل طابعًا جماعيًا سيفرض نفسه على المعادلات الداخلية، من المتوقع أن يصدر غدًا الأحد في ذكرى اغتيال الرئيس رشيد كرامي.
وإذا كانت هذه المؤشرات تبدو متفرقة للوهلة الأولى، فإنها تلتقي عند نقطة مركزية واحدة: إعادة تعريف الدور السنّي بوصفه رافعة للدولة لا ساحة مستباحة لمشاريع الآخرين.
لذلك تكتسب كلمة النائب فيصل كرامي المرتقبة أهمية تتجاوز حدود المناسبة نفسها. إذ تشير المعلومات إلى أن الخطاب سيعيد تظهير النبض السنّي، وتثبيت ثلاثية شكّلت تاريخيًا جوهر الهوية السياسية السنّية: الدولة، والعمق العربي، والإسلامي. كما سيرسم حدودًا واضحة أمام أي محاولة لاستخدام الشارع لإسقاط الحكومة أو الانقلاب على المؤسسات، عبر تثبيت معادلة مفادها أن "السراي الكبير خط أحمر"، و"الشارع يقابله شارع".
وتنبع أهمية هذا الموقف من المزج بين عدة عوامل: رمزية المناسبة المرتبطة بأحد أبرز رجالات الدولة في لبنان، والحشد السياسي والشعبي المتوقع، وطبيعة اللحظة الإقليمية، وصلابة الخطاب وقدرته على طي صفحة الاعتدال "المفخخ" وإظهار تطرف "محمود" نحو الدولة وخياراتها الصعبة، فضلا عن المشروعية التاريخية لبيت سياسي يمتد حضوره لأكثر من قرن في الحياة الوطنية اللبنانية.
ما نشهده اليوم يجسّد محاولة جدية و"عميقة" لإنهاء الوصاية على القرار السياسي، واستعادة التوازن الطبيعي داخل الطائفة السنّية عبر إعادة وصلها بدورها التاريخي كحاضنة لفكر الدولة ومؤسساتها، وكقوة سياسية رفضت في محطات مفصلية الانخراط في مشاريع الميليشيات، أو الانقلاب على الشرعية، مهما بلغت الضغوط والتحديات.
الطريق طويل ولا يزال في بداياته، لكن علائم التغيير تبدو راسخة.