جاد الاخوي

عراقجي... اصمتوا أولاً

3 دقائق للقراءة

عندما يتحدث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن ضرورة إنقاذ لبنان من "عدوه الحقيقي"، فإن أول ما يتبادر إلى أذهان اللبنانيين سؤال بسيط: من أعطى إيران حق الوصاية على لبنان أصلاً؟

نحن لا نحتاج إلى مسؤول إيراني ليشرح لنا من هي إسرائيل. نعرف إسرائيل جيداً، كما نعرف الاحتلال والحروب والاعتداءات والدمار. لكننا نعرف أيضاً أن لبنان لم يُدمر فقط بسبب إسرائيل، بل بسبب عقود من تحويله إلى ساحة نفوذ إيرانية تُدار وفق مصالح طهران لا وفق مصالح اللبنانيين.

قبل أن تطلبوا من اللبنانيين إنقاذ وطنهم، أجيبوا عن سؤال واحد: ماذا جنى لبنان من مشروعكم سوى الخراب والعزلة والانهيار الاقتصادي وتفكك الدولة وهجرة الشباب؟

لقد استُخدم لبنان طوال سنوات كورقة تفاوض إيرانية. عندما تحتاج طهران إلى الضغط تفتح الساحة اللبنانية. وعندما تحتاج إلى المساومة تستخدم الساحة اللبنانية. وعندما تريد تحسين شروطها الإقليمية والدولية يكون اللبنانيون هم وقود المعركة وثمن التسويات.

أي احترام للبنان هذا الذي يجعل مسؤولاً إيرانياً يخاطب رئيس الجمهورية اللبنانية وكأنه حاكم تابع له؟ وأي سيادة هذه التي تتحدثون عنها وأنتم لم تتوقفوا يوماً عن التدخل في الشأن اللبناني السياسي والأمني والاستراتيجي؟

إذا كانت إيران تريد فعلاً إثبات حسن نيتها، فلتبدأ بالاعتراف بأن لبنان ليس جزءاً من إمبراطوريتها الإقليمية. فلتعترف بأن اللبنانيين ليسوا جنوداً في مشروع الولي الفقيه. فلتعترف بأن قرار الحرب والسلم يجب أن يعود إلى الدولة اللبنانية وحدها لا إلى أي جهة مرتبطة بالخارج.

أما إذا أردتم فعلاً احترام إرادة اللبنانيين، فابدأوا من النقطة الأكثر وضوحاً: ارفعوا أيديكم عن لبنان. واتركوا الدولة اللبنانية تمارس كامل سيادتها. وإذا قررت هذه الدولة أن أي دبلوماسي أجنبي يتجاوز حدود مهمته ويتدخل في شؤونها الداخلية هو شخص غير مرغوب فيه، فعليكم احترام هذا القرار لا الاعتراض عليه.

لقد سمع اللبنانيون كثيراً عن "العدو الحقيقي". لكنهم تعلموا من تجاربهم أن كل من يمنع قيام الدولة اللبنانية، وكل من يصادر قرارها الوطني، وكل من يجرها إلى حروب لا تريدها، وكل من يحولها إلى ساحة لصراعاته الخاصة، إنما يعتدي على لبنان بطريقة أو بأخرى مهما كانت الشعارات التي يرفعها.

الحقيقة التي يبدو أن بعض المسؤولين الإيرانيين لا يريدون سماعها هي أن زمن الوصاية انتهى. انتهت الوصاية السورية. وستنتهي كل وصاية أخرى مهما طال الزمن. لأن اللبنانيين، بعد كل ما عاشوه من مآسٍ وانهيارات وحروب، باتوا يدركون أن لا خلاص لهم إلا بدولة لبنانية حرة مستقلة لا تتلقى أوامرها من أحد.

لذلك، وقبل أن تعطوا اللبنانيين دروساً في الوطنية والسيادة، قدموا لهم درساً واحداً في احترام استقلال الدول: اصمتوا عن شؤون لبنان، واتركوا اللبنانيين يقررون بأنفسهم من هو عدوهم، وكيف يحمون وطنهم، وكيف يبنون دولتهم.

عندها فقط يمكن لأحد أن يصدق أنكم حريصون على لبنان. أما قبل ذلك، فكل حديث عن الحرص والسيادة ليس سوى محاولة جديدة لتجميل وصاية لفظها اللبنانيون ولن يسمحوا بعودتها مهما تبدلت الأسماء والشعارات.