الرئيس جوزاف عون قد لا يستطيع نزع سلاح "حزب الله" بالقوة. لذلك، على شاشة الـCNN الأميركية، فعل ما هو أصعب سياسيًا: فصل الميليشيا عن لبنان، وإيران عن آخر أوراقها التفاوضية.
كان البلد وقصر بعبدا يهتزان تحت وقع النيران الإسرائيلية. لذلك، حين جلس الرئيس جوزاف عون هذا الأسبوع في مقابلة مع كريستيان أمانبور، كان المتوقَّع أن يذهب إلى النداء التقليدي: مطالبة بوقف إطلاق النار، طلب حماية، أو ذلك الموقع المألوف لدولة صغيرة تناشد الكبار أن يتوقفوا عن تكسيرها. لم يفعل ذلك. نظر إلى الكاميرا الأميركية وسحب ادّعاءً.
قال عون: «ليست بلدك، إنها بلدنا». لم يكن يخاطب إسرائيل. كان يخاطب طهران.
لفهم لماذا تصل هذه العبارة أبعد من أي صاروخ يُطلق على طهران، يجب قراءة اللوحة كما تراها إيران. خرجت الجمهورية الإسلامية من حرب الربيع مستنزَفة: منشآتها النووية ضُربت، برنامجها الصاروخي وُضع تحت السقف، بحريتها حوصرت بضغوط أميركية، وشبكة وكلائها تراجعت في الإقليم. نظام بهذا القدر من انكماش النفوذ يتمسّك بما تبقّى له من أوراق. والورقة الوحيدة التي بقيت بيد طهران كانت لا تكلّفها شيئاً، لأن ثمنها يُدفع بعملة الآخرين: لبنان. عبر ربط أي تسوية مع واشنطن بانسحاب إسرائيلي من لبنان، أبقت إيران الحرب في لبنان مشتعلة كي تُبقي مقعدها دافئاً على طاولة التفاوض. وكانت وظيفة "حزب الله" أن يُبقي النار حيّة: رفض الهدنة، تسميتها «استسلاماً»، وإطلاق مسيّرات FPV في الجنوب حتى تبقى الورقة على الطاولة.
جملة جوزاف عون قطعت السلك. افصلونا. قال لواشنطن وتل أبيب وللعالم إن لبنان ليس بنداً في ملف إيران، ولا يجوز التعامل معه كسلعة قابلة للمقايضة. هذا ليس خطاباً؛ إنه توجيه تفاوضي موجّه إلى ثلاث عواصم في وقت واحد. أخرجوا لبنان من الملف الإيراني، فتجد طهران نفسها ممسكة بورقة لم تعد ملكاً لها، فيما الحصار يشتدّ، ولا شيء آخر في يدها.
لكن قطع السلك كان الجرح الأصغر. الجرح الأعمق جاء في عبارة واحدة عن رجل واحد.
قال عون إن اللبنانيين «ليسوا شعب نعيم قاسم».
توقّف عند قسوة هذه الجملة. كل شرعية سلاح "حزب الله" تقوم على خرافة هوية: أن الحزب هو المقاومة، وأن المقاومة هي الطائفة، وأن الطائفة هي لبنان وهو يدافع عن نفسه. كل صاروخ يُمنح رخصته من هذه السلسلة. وجواب قاسم نفسه على وقف إطلاق النار فضح السلسلة حين وصفه بأنه «خارطة طريق لإبادة جزء من الشعب اللبناني».
دخل عون إلى هذه الفجوة ووسّعها. رئيس ماروني، قائد جيش سابق أبقى جنوده خارج الحرب الأخيرة، وقف وقال للعالم إن العائلات التي تُدمَّر بيوتها «كل خمس إلى عشر سنوات» تعبت، وإن الحرب «عبثية»، وإن هؤلاء لا ينتمون إلى "حزب الله". لقد أمّم المظلومية ونزع عنها احتكارها الطائفي في اللحظة نفسها. أخذ من "حزب الله" أثمن ما يملك، لا صواريخه، بل روايته، وأعاد تسجيل حقوقها باسم الدولة.
لهذا انفجر المقطع كما انفجر. لم يعلن سياسة. بل نفّذ عملية فصل: لبنان عن إيران، الناس عن الحزب، وصوت اللبنانيين عن صوت الميليشيا. عزل "حزب الله" أكثر، ولم يحتج إلى طلقة واحدة من جندي لبناني.
وهنا تحديداً تكمن الفكرة وحدودها. عون صريح في ما لا يستطيع فعله. حين سُئل عن نزع السلاح، لم يهدّد بالقوة. قال: «في النهاية سيقتنعون، لكن الكلفة ستكون عالية». ترجمتها السياسية: لا أملك جيشاً قادراً على انتزاع السلاح منهم، لذلك أخوض الحرب التي أستطيع ربحها. هو لا يستطيع مصادرة ترسانة "حزب الله"، لذلك يصادر شرعيتها. لا يستطيع تنظيف الجنوب بالقوة، لذلك ينظّفه بالحجّة، محوّلاً كل مسيّرة يطلقها "حزب الله" بعد إعلان الدولة استعدادها للسلام إلى دليل ضد الحزب، لا ضد إسرائيل.
الآلية التي يجب مراقبتها ليست في كلام عون، بل في لغة وزارة الخارجية الأميركية. إطار واشنطن يتحدث عن «مناطق تجريبية»: بقع في جنوب لبنان يمسك فيها الجيش وحده بالسيطرة الحصرية، ولا يبقى فيها أي تنظيم مسلح. هذا هو ملف نزع السلاح متنكّراً بخريطة. إذا دخل الجيش اللبناني، المدعوم حديثاً بمئة مليون يورو أوروبية، إلى منطقة واحدة من هذا النوع فعلياً، يتصدّع الاحتكار الجغرافي ل"حزب الله"، وتنتقل المواجهة من المبدأ إلى الأرض. أما إذا بقيت هذه المناطق نظرية، يكون عون قد ربح الجمهور وخسر الميدان.
وهذا هو الرهان الحقيقي في اللحظة التي اجتاحت الشاشات. قد يخسر الرئيس معركة ويحافظ على روايته. أما "حزب الله"، فهو اليوم مهدد بالعكس: أن يحتفظ بسلاحه ويخسر روايته. ميليشيا بصواريخ بلا سردية ليست سوى فصيل مسلح يؤجّر بيوت اللبنانيين لتسديد دين إيراني. عون لم ينزع سلاح أحد. لكنه فعل الشيء الوحيد الذي تستطيع الدولة فعله ولا تستطيع الميليشيا النجاة منه: سمّى وظيفة السلاح.
جوزاف عون أجاب عن سؤال سهل ممتنع: اللبنانيون ليسوا شعب نعيم قاسم. ولبنان ليس ورقة عند طهران. بل بلد قيل له، باسمه وللمرة الأولى منذ زمن، إنه يخصّ نفسه.