د. بولا أبي حنا

ما بعد اليونيفيل: من سيراقب الحدود عندما يرحل المراقب؟

4 دقائق للقراءة

بينما ينشغل اللبنانيون بتفاصيل أزماتهم اليومية، يقترب استحقاق قد يكون من أخطر التحولات الأمنية التي عرفها جنوب لبنان منذ عقود: نهاية مهمة قوات الطوارئ الدولية «اليونيفيل» بصيغتها الحالية.

منذ عام 1978، ثم بعد توسيع صلاحياتها إثر القرار 1701 عام 2006، أصبحت اليونيفيل جزءاً ثابتاً من المشهد الجنوبي. اعتاد الناس رؤية دورياتها على الطرقات، ومراكزها المنتشرة على طول الخط الأزرق، وحضورها الدائم كعامل تهدئة في منطقة شديدة الحساسية. لكن السؤال الحقيقي لم يكن يوماً عن وجود اليونيفيل بحد ذاته، بل عن الفراغ الذي قد تتركه خلفها.

اليوم، ومع انتقال النقاش داخل الأمم المتحدة من سؤال «هل ترحل؟» إلى سؤال «كيف ستتغير؟»، يصبح من الواضح أن المجتمع الدولي لا يفكر بإنهاء كامل للدور الأممي، بل بإعادة صياغته. فمراقبة الحدود اللبنانية-الإسرائيلية لا تزال تُعتبر مسألة أساسية، ليس فقط لضبط التوتر، بل أيضاً لتوثيق ما يجري على الأرض.

هنا يكمن جوهر القضية.

فاليونيفيل لم تكن مجرد قوة عسكرية منتشرة، بل كانت أيضاً جهة توثيق دولية. كل خرق للخط الأزرق، كل حادث أمني، وكل تصعيد كان يجد طريقه إلى تقارير الأمم المتحدة. وعندما كانت الروايات تتضارب، كانت اليونيفيل تؤدي دور «الشاهد الدولي» الذي يمنح الأحداث إطاراً موثقاً، حتى لو اختلفت الأطراف حول تفسيره.

في عالم النزاعات الحديثة، لا تكمن أهمية المراقبة فقط في منع الخرق، بل في تحديد المسؤولية عنه. وعندما يغيب المراقب المحايد، لا يبقى سوى روايات متناقضة، كل طرف يقدّم نسخته الخاصة من الحقيقة.

من هنا، فإن السؤال الأساسي لا يجب أن يكون من سيملأ الفراغ العسكري، بل من سيملأ الفراغ التوثيقي.

الجيش اللبناني يبقى المرشح الطبيعي لتولي مسؤوليات أكبر في الجنوب، وهو أصلاً شريك أساسي لليونيفيل. لكنه، مهما تعززت قدراته، يبقى في نظر المجتمع الدولي طرفاً وطنياً، لا جهة مراقبة محايدة. وهذا يطرح إشكالية جوهرية: من سيقوم بدور الشاهد المقبول دولياً؟

في موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي. فغياب اليونيفيل أو تقليص دورها قد يفتح المجال أمام واقع أمني أكثر هشاشة، حيث تتراجع آليات الاحتواء غير المباشر، ويزداد خطر الاحتكاك الميداني، في ظل غياب جهة قادرة على التدخل السريع وتوثيق ما يجري.

لكن اللافت أن النقاش لا يقتصر على الأمم المتحدة فقط. فالدور الفرنسي، الذي برز بقوة في السنوات الأخيرة، يبدو مرتبطاً بشكل متزايد بهذا الملف. ومن هنا، يمكن قراءة الحضور المتكرر للمبعوث الفرنسي جان إيف لودريان من زاوية مختلفة.

فالرجل الذي ارتبط اسمه سابقاً بالملف الرئاسي، بات يتحرك اليوم في سياق أوسع يشمل تثبيت وقف إطلاق النار، دعم الجيش اللبناني، ومواكبة النقاش الدولي حول مستقبل الجنوب. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تعمل باريس على التحضير لمرحلة ما بعد اليونيفيل؟

فرنسا، التي تُعد من أبرز المساهمين في القوة الدولية، لا تبدو مستعدة للانسحاب من هذا الدور بسهولة. بل على العكس، تشير المعطيات إلى سعيها للحفاظ على موقعها، سواء عبر دعم صيغة أممية معدّلة، أو عبر أدوار مكمّلة تتعلق بالمراقبة والتنسيق الأمني.

عند هذه النقطة، يتحول النقاش من مسألة تقنية إلى مسألة سيادية بامتياز.

هل يريد لبنان أن يبقى معتمداً على المراقب الدولي إلى أجل غير محدد؟ أم أن اللحظة تفرض بناء منظومة وطنية متكاملة قادرة على ضبط الحدود، ومراقبتها، وتوثيق ما يجري عليها؟

لقد أمضى لبنان عقوداً يتحدث عن السيادة، لكن السيادة لا تعني فقط رفض التدخل الخارجي، بل القدرة على إدارة الحدود وتأمينها وإنتاج رواية موثوقة حول ما يجري عليها.

من هنا، قد لا يكون التحدي الحقيقي هو «ما بعد اليونيفيل»، بل «ما بعد الاعتماد على اليونيفيل».

للمرة الأولى منذ ما يقارب نصف قرن، يقف لبنان أمام اختبار مختلف: ليس فقط من سيحمي الحدود، بل من سيُعرّف ما يحدث عليها.

وعندما يرحل المراقب الدولي، يبقى السؤال الأهم: هل ستكون الدولة جاهزة لتكون هي المراقب، والحامي، والشاهد؟

ذلك هو التحدي الحقيقي الذي لم يبدأ النقاش حوله بعد.

أستاذة جامعية