الدكتور سايد حرقص

قلبي على ابني... وقلب ابني على الحجر

4 دقائق للقراءة

يقول المثل اللبناني الشهير: "قلبي على ابني وقلب ابني على الحجر". وهو مثل يختصر حالة من العطاء غير المتبادل؛ طرفٌ يمنح كل ما لديه من حب ورعاية وتضحية، فيما يقابله الطرف الآخر بالجفاء والإنكار، وربما بالعداء الصريح والولاء لمكان آخر.

في المشهد اللبناني الراهن، يعود هذا المثل إلى الواجهة كلما طُرحت العلاقة الشائكة بين الدولة اللبنانية وحزب الله. فالدولة، بمؤسساتها وإمكاناتها المحدودة ومواردها المستنزفة، ما زالت تتعامل مع الحزب وكأنه "الابن المدلل"، فتتحمل تبعات خياراته العسكرية والسياسية والأمنية، وتدفع كلفة مغامراته وحروبه ومواجهاته. وعندما تقع الأزمات، تكون الخزينة العامة أول من يسدد الفاتورة، والاقتصاد الوطني أول من يتلقى الضربة، فيما يتحمل المواطن اللبناني وحده النتائج الاجتماعية والإنسانية والمعيشية الكارثية.

في المقابل، يثبت حزب الله في كل محطة مفصلية أن أولوياته الاستراتيجية ترتبط، قبل أي اعتبار آخر، بالمحور الإيراني الذي ينتمي إليه عقائدياً وسياسياً. أما الدولة اللبنانية، فلا تبدو في حساباته سوى شريك في تحمل الخسائر والأعباء. إنها العلاقة نفسها التي تجمع أماً مغلوبة على أمرها بابن عاق؛ تواصل احتضانه ورعايته والدفاع عنه، فيما يبادلها هو بالتجاهل والإنكار.

منذ نشأته في ثمانينيات القرن الماضي برعايةٍ وتمويلٍ إيراني مباشر وتسهيلاتٍ وفّرها الاحتلال السوري آنذاك، برز حزب الله كحالةٍ سياسية–عقائدية غريبة ولدت خارج رحم التعددية الحضارية اللبنانية. فمنذ لحظاته الأولى، لم يتعامل الحزب مع الدولة بوصفها المرجعية السيادية العليا، بل اتخذ منها ساحةً ضمن مشروعٍ إقامة الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يرعاها الولي الفقيه. وقد كرّست "الرسالة المفتوحة إلى المستضعفين" الصادرة في 16 شباط 1985 والتي تُعتبر الوثيقة التأسيسية للحزب هذا التوجّه بوضوحٍ لافت، حين نصّت: ​«إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأقامت من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، ونلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي الفقيه».

​في هذه الصياغة، لا يقدّم الحزب نفسه كتنظيمٍ سياسي ضمن دولةٍ تعدّدية، بل كامتدادٍ عضوي لكيانٍ عقائدي عابر للحدود، يجعل من الولاء للسلطة الايرانية ركيزةً أساسية لهويته السياسية والتنظيمية. ومنذ ذلك التأسيس، ظلّ هذا التعريف الذاتي ثابتاً في بنيته الأيديولوجية وسلوكه السياسي.

فمنذ تطبيق اتفاقية الطائف حتى اليوم، الدولة اللبنانية مطالبة دائماً بمعالجة تداعيات أفعال حزب الله الغير مدروسة من إخماد الحرائق، وحماية الاستقرار، ومعالجة التداعيات الإنسانية والاجتماعية، وإعادة الإعمار، وتعويض المتضررين، ورعاية الجرحى والنازحين. لكنها، في المقابل، لا تملك سلطة حقيقية على القرارات التي تُنتج تلك الأزمات أساساً. والأسوأ من ذلك أن أي محاولة لاستعادة دورها الطبيعي أو تثبيت سلطتها الشرعية تُقابل بحملات تخوين واتهامات وتهديدات سياسية وإعلامية كان آخرها تهديد الشيخ نعيم قاسم باسقاط الحكومة في الشارع.

إن الأرقام التي تتحدث عن الخسائر الاقتصادية الهائلة، والتكاليف الباهظة التي تتحملها وزارة الصحة لعلاج الجرحى، والأعباء التي تتحملها وزارة الشؤون الاجتماعية في رعاية النازحين، إضافة إلى حجم الدمار الكبير في القرى والبلدات الواقعة جنوب الليطاني، كلها مؤشرات تضع اللبنانيين أمام سؤال وجودي يتعلق بمفهوم الدولة نفسه.

فالمسألة لم تعد مجرد خلاف سياسي أو انقسام داخلي حول الخيارات الإقليمية، بل باتت تمس جوهر فكرة الدولة الحديثة، التي تقوم على ثلاث ركائز لا تستقيم من دونها: وحدة القرار السيادي، ووحدة السلاح، ووحدة المسؤولية. وعندما يصبح القرار موزعاً بين مؤسسات الدولة ومرجعيات تتجاوز حدودها، تتحول الدولة إلى جهة مطالبة بدفع فاتورة باهظة، من جيبة الشعب اللبناني، لوليمة لم تشارك حتى في اختيار قائمة طعامها.

إن مستقبل لبنان لا يمكن أن يُبنى على استنزاف مقدرات الدولة والشعب خدمةً لمشاريع مشبوهة خارجية، أو لأجندات تطمح لبناء إمبراطوريات كبرى. لذلك، على الدولة اللبنانية أن تحزم أمرها، وتميّز بين أبنائها الحقيقيين والطفيليات المزيفة، لأن قيام دولة حقيقية يقتضي عقدًا وطنيًا واضحًا وصريحًا، تكون فيه مصلحة لبنان فوق كل اعتبار، ويكون القرار اللبناني نابعًا من بيروت وحدها، لا من أي عاصمة أخرى.