لماذا هذه السلسلة؟
قد يتساءل القارئ: كيف يأتي المقال رقم (صفر) بعد المقالين الأول والثاني؟
وقد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، تناقضاً في الترتيب، لكن هذا المقال لا يحمل الرقم (صفر) لأنه كُتب أولاً، بل لأنه يمثل نقطة الانطلاق الفكرية التي تفسر ما سبقه وما سيأتي بعده.
ففي الرياضيات لا يُنظر إلى الصفر باعتباره فراغاً، بل باعتباره نقطة المرجع التي تمنح بقية الأرقام معناها. وكذلك في الفكر، لا نعود إلى الصفر لنلغي ما سبق، بل لنفهمه على نحو أفضل. ولهذا جاء هذا المقال حاملاً الرقم (صفر)، لا لأنه بداية السلسلة زمنياً، بل لأنه يحاول الكشف عن الفكرة المؤسسة التي تربط ما كُتب بما سيُكتب.
ومن قال إن الصفر يعني البدء من العدم؟
أحياناً لا يكون الصفر نقطة البداية، بل نقطة الفهم. ليس المكان الذي نبدأ منه، بل المكان الذي نعود إليه كي نفهم لماذا بدأنا أصلاً.
"فالصفر هنا ليس نقطة البداية، بل نقطة "الإدراك" التي تمنح ما سبقها وما سيأتي بعدها معناه.
بعد نشر المقالين الأول والثاني، بدا واضحاً أن هناك سؤالاً أعمق يسبقهما معاً: لماذا هذه السلسلة أصلاً؟ وما الذي يجمع بين العقيدة والأخلاق تحت عنوان واحد، هو "نحو الإنسانية"؟
فالمقال الأول دافع عن الإنسان في مواجهة تحوّل العقيدة إلى غاية بحد ذاتها.
والمقال الثاني دافع عن الأخلاق في مواجهة الاكتفاء بالقوانين والأنظمة.
لكن قبل الاستمرار في هذه الرحلة الفكرية، كان لا بد من العودة إلى السؤال الذي وُلدت منه السلسلة كلها.
لماذا "نحو الإنسانية"؟ ولماذا الإنسان تحديداً؟
نعيش في زمن غريب، يتعاظم فيه كل شيء... إلا الإنسانية. زمن لم يعرف فيه الإنسان هذا القدر من التقدم العلمي والتكنولوجي والمعرفي.
ولم يعرف فيه هذا القدر من القوانين والدساتير والأنظمة.
ولم يعرف فيه هذا القدر من العقائد والأيديولوجيات والانتماءات والشعارات.
ومع ذلك، يبدو أن السؤال الأقدم لا يزال مطروحاً بإلحاح:
أين الإنسان وسط كل ذلك؟
كيف استطاعت البشرية أن تصل إلى القمر، لكنها ما زالت تعجز أحياناً عن رؤية الإنسان الذي يقف إلى جانبها؟
وكيف نجحت في بناء أنظمة معقدة لإدارة الدول والمؤسسات، لكنها ما زالت تفشل في بناء الثقة بين البشر؟
وكيف استطاعت أن تنتج ثروات غير مسبوقة، بينما ما زالت عاجزة عن تقبّل الآخر المختلف وإرساء الكرامة بالعدل والمساواة؟
ليست المشكلة في العقائد، وليست المشكلة في القوانين، لا وليست المشكلة في الانتماءات، ولا ليست المشكلة في التكنولوجيا؛ فكل هذه وُجدت أصلاً لخدمة الإنسان.
لكن المأساة تبدأ عندما تنسى الوسيلة غايتها. وعندما تصبح العقيدة أهم من الإنسان، والقانون أهم من العدالة، والانتماء أهم من الوطن، والتكنولوجيا أهم من الكرامة الإنسانية.
عندها لا يعود الإنسان مركز الفكرة، بل يصبح مجرد تفصيل داخلها.
عندما يضعف الإنسان، تسقط التصنيفات
ولعل لبنان يقدم مثالاً مؤلماً على ذلك، ففي بلد يمتلك تنوعاً ثقافياً ودينياً وإنسانياً استثنائياً، كان يفترض أن يتحول هذا التنوع إلى مصدر غنى وقوة. لكن المشكلة لم تكن يوماً في وجود العقائد أو الطوائف أو الأحزاب أو القوانين، بل في اللحظة التي بدأت فيها هذه الانتماءات تتقدم على الإنسان نفسه.
فعندما خسر اللبناني مدخراته، لم تسأله الأزمة إلى أي طائفة ينتمي.
وعندما انقطعت الكهرباء، لم تميّز بين مذهب وآخر.
وعندما انهارت العملة الوطنية، لم تفرق بين منطقة وأخرى.
وعندما انفجر مرفأ بيروت، لم يختر ضحاياه على أساس انتماءاتهم.
وكأن الواقع كان يكرر الدرس نفسه مرة بعد أخرى:
عندما يضعف الإنسان، تسقط معه جميع التصنيفات، وعندما تُمس كرامته، تصبح كل الانقسامات أصغر من أن تبرر الألم الذي يصيبه؛ لذلك لا يبدأ إصلاح الأوطان من إعادة ترتيب الطوائف أو الأحزاب أو الشعارات، بل من إعادة الإنسان إلى المكان الذي يجب أن يكون فيه: في قلب كل فكرة، وكل قانون، وكل مشروع، وكل قرار.
ومن هنا وُلدت هذه السلسلة
ليست هذه السلسلة خصومة مع دين، ولا مواجهة مع عقيدة، ولا اعتراضاً على قانون أو انتماء، وليست لتحطيم أهمية التكنولوجيا والتطور؛ اتما هي دعوة هادئة للعودة إلى الإنسان، إلى تلك النقطة التي تلتقي عندها العقائد، وتُقاس على اساسها القوانين، وتكتسب معها الأوطان معناها.
فحين يبقى الإنسان في القلب، تستعيد الأشياء كلها مكانها الصحيح.
إنها محاولة متواضعة لإعادة ترتيب الأولويات، وقبل كل العقائد والقوانين والانتماءات، وقبل كل ما بناه العقل البشري المبدع من أفكار ومؤسسات، ينهض سؤال بسيط وعميق في آن واحد:
من كان البداية؟
الإنسان... أم كل ما صنعه الإنسان؟
وما هي الغاية؟
الإنسان... أم كل ما صنعه الإنسان؟
كيف يفقد الإنسان مكانه؟
عندما يصبح الإنسان وسيلة في خدمة العقيدة، نفقد جوهر الدين.
وعندما تصبح الأخلاق مجرد امتثال للقانون، نفقد جوهر الخير.
وعندما تصبح الطائفة بديلاً عن الوطن، نفقد جوهر المواطنة.
وعندما يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر حضوراً من الذكاء الأخلاقي، نفقد جوهر التقدم نفسه.
لهذا جاءت المقالات الأولى من هذه السلسلة كما جاءت.
بدأت من سؤال العقيدة.
ثم انتقلت إلى سؤال الأخلاق.
وستواصل رحلتها لاحقاً نحو أسئلة أخرى تتعلق بالمواطنة والدولة والسلطة والحرية والعدالة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
لكنها، في جوهرها، ليست سوى محاولات متكررة للإجابة عن السؤال نفسه:
كيف نحافظ على مركزية الإنسان في عالم يتنافس فيه كل شيء على احتلال هذا المركز؟
قد يختلف القراء مع بعض الأفكار المطروحة هنا.
وقد يختلفون مع بعض الاستنتاجات.
وهذا أمر طبيعي وصحي ومطلوب.
فالغاية من هذه السلسلة ليست إنتاج أجوبة نهائية، بل فتح مساحة للتفكير والحوار، مساحة للعودة الى القلب، الى المركز، الى الأساس، الى الغاية.
لأن الإنسانية لم تتقدم يوماً بالإجماع، بل بالأسئلة.
ولأن الأفكار التي لا تُناقش تتحول إلى مسلمات، والمسلمات غير المدققة، قد تتحول مع الوقت إلى قيود وسجن كبير.
"نحو الإنسانية"
لماذا "نحو" ولم يُختر عنوان "الإنسانية" فقط، الإنسانية ليست محطة نصل إليها ثم نتوقف، وليست حقيقة نمتلكها مرة واحدة وإلى الأبد، إنها رحلة مستمرة، مسار دائم من المراجعة والتصحيح والتعلم، فكل جيل يعتقد أنه أصبح أكثر تطوراً من الجيل الذي سبقه، ثم يكتشف بعد سنوات أنه أصبح اقل انسانية.
لهذا لم يكن العنوان "الإنسانية"، بل "نحو الإنسانية".
نحو غاية يجب ان نسعى إليها باستمرار، نقترب منها أحيانا، ونبتعد عنها أحياناً أخرى.
لكننا لا يجب ان نتوقف عن السعي نحوها.
وفي النهاية، إذا كان لا بد من اختصار غاية هذه السلسلة كلها في أسئلة محددة، فربما تكون:
عندما تتعارض العقيدة مع الإنسان، أين نقف؟
وعندما يتعارض القانون مع الأخلاق، أين نقف؟
وعندما يتعارض الانتماء مع الوطن، أين نقف؟
وعندما تتعارض التكنولوجيا مع الكرامة الإنسانية، أين نقف؟
هنا تماماً تبدأ هذه السلسلة، وهنا تماماً يبدأ البحث، ليس عن عقيدة جديدة، ولا عن أيديولوجيا جديدة، ولا عن نظام جديد؛ بل عن شيء أقدم وأبسط وأعمق واهم من كل ذلك: "الإنسان."
ذلك الإنسان الذي قد يختلف في دينه، أو فكره، أو انتمائه، أو لغته، لكنه يبقى نقطة البداية والغاية الأخيرة لكل ما نبنيه من أفكار ومؤسسات وقوانين وأوطان.
فبعض الرحلات لا تكشف نقطة انطلاقها إلا بعد أن يبدأ السير فيها.
وأحياناً لا نعثر على البداية في أول الطريق، بل نكتشفها ونحن نسير....."نحو الإنسانية."