ليست أزمة لبنان في تعدد الآراء ولا في اختلاف الخيارات السياسية، فهذه سمة طبيعية في أي مجتمع حي. الأزمة الأعمق تكمن في السؤال الذي لم ينجح اللبنانيون في حسمه منذ قيام دولتهم الحديثة: من يملك حق اتخاذ القرارات المصيرية باسم الوطن؟
فعندما تتعلق المسألة بالحرب أو السلم، بالأمن أو الاستقرار، بالمواجهة أو التفاوض، لا يعود الأمر مجرد اختلاف سياسي عابر، بل يصبح متعلقًا بمصير ملايين الناس الذين سيدفعون ثمن تلك القرارات أو سيجنون نتائجها.
وفي الدول المستقرة لا يُطرح هذا السؤال كثيرًا، لأن الجواب يكون واضحًا: الدولة ومؤسساتها الدستورية هي صاحبة القرار والمسؤولية معًا. أما في المجتمعات التي تتعدد فيها مراكز القوة وتتداخل فيها المرجعيات، فإن المواطن يجد نفسه في كثير من الأحيان مطالبًا بتحمل نتائج قرارات لم يشارك في صنعها، ولم يُستشر فيها، ولم يمتلك حق التأثير عليها.
من هنا يبدأ النقاش الحقيقي حول معنى السيادة، وحول العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحول القيمة التي يحتلها الإنسان في المعادلات السياسية الكبرى. فالأوطان لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود في وجه الأخطار، بل أيضًا بقدرتها على حماية مواطنيها من أن يتحولوا إلى ضحايا دائمين لصراعات لا يملكون قرارها. لقد عاش اللبنانيون لعقود طويلة بين منطقين متوازيين: منطق الدولة التي يفترض أن تكون المرجعية الجامعة لجميع أبنائها، ومنطق القوى التي ترى نفسها مكلفة بحماية الوطن أو الدفاع عنه وفق رؤيتها الخاصة. وبين هذين المنطقين، بقي المواطن الحلقة الأضعف، يدفع الأكلاف المتراكمة لكل مواجهة، ويتحمل نتائج كل فشل، فيما يبقى دوره محدودًا في صناعة القرار نفسه.
ولا يمكن لأي نقاش وطني جاد أن يتجاوز حقيقة أن الحروب لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل كذلك بأثمانها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية. فخلف كل خطاب سياسي أو أمني توجد عائلات فقدت أبناءها، وقرى تهجرت، ومنازل دمرت، ومزارعون خسروا مواسمهم، وشباب اضطروا إلى الهجرة بحثًا عن مستقبل أكثر استقرارًا.
إن المشكلة في لبنان ليست أن الناس ترفض الدفاع عن وطنها، بل أن كثيرين باتوا يشعرون بأنهم يُطلب منهم دائمًا دفع الثمن، فيما يُمنعون من مناقشة القرار الذي أدى إلى ذلك الثمن. وكأن المطلوب منهم أن يكونوا شركاء في التضحية فقط، لا شركاء في صناعة الخيارات الوطنية الكبرى.
ومن هنا يبرز سؤال السيادة بوصفه سؤالًا جوهريًا لا يمكن الهروب منه. فالسيادة ليست مجرد رفض للتدخل الخارجي، ولا مجرد موقف سياسي في مواجهة عدو أو خصم. السيادة تعني أن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار النهائي في كل ما يتعلق بمصير مواطنيها، وأن تكون مسؤولة أمامهم عن نتائج هذا القرار. فإذا كانت السيادة هي الهدف، فلماذا لا تكون الدولة وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم؟ وإذا كان الاحتكام إلى المؤسسات الدستورية هو أساس الشرعية، فلماذا تبقى القرارات المصيرية محل نزاع دائم بين مراكز قوى متعددة؟
ثم إن قيمة أي مشروع وطني لا تُقاس فقط بقدرته على المواجهة، بل بقدرته أيضًا على حماية الإنسان الذي وُجد الوطن من أجله. فالإنسان ليس تفصيلًا في المعادلة الوطنية، بل هو أساسها وغايتها. وإذا كان الإنسان اللبناني هو الغاية، فلماذا يغيب الحديث عن كلفة الخيارات العسكرية على حياة الناس ومستقبلهم؟ ولماذا يُطلب من المواطنين أن يتذكروا دائمًا مبررات المواجهة، فيما يُطلب منهم أن يتناسوا نتائجها القاسية على حياتهم اليومية وأرزاقهم واستقرارهم ومستقبل أبنائهم؟
إن قوة أي مجتمع لا تكمن في قدرته على تحمل الخسائر إلى ما لا نهاية، بل في قدرته على بناء نظام سياسي يقلل الخسائر ويحمي الناس ويمنحهم الأمل بمستقبل أفضل. فالتضحية قيمة نبيلة عندما تكون استثناءً تفرضه الضرورات، لكنها تتحول إلى عبء ثقيل عندما تصبح نمط حياة دائمًا ومفتوحًا بلا أفق واضح.
كما أن الوحدة الوطنية، التي يكثر الحديث عنها في الخطابات السياسية، لا يمكن أن تقوم على مطالبة الناس بالالتفاف حول قرارات لم يشاركوا في اتخاذها. فالوحدة الحقيقية لا تُفرض بالشعارات، بل تُبنى بالمشاركة والثقة والاحتكام إلى المؤسسات.
وإذا كانت الوحدة الوطنية مطلوبة بالفعل، فلماذا يُطلب من اللبنانيين الالتفاف حول قرارات لم يشاركوا أصلًا في اتخاذها؟ وكيف يمكن الحديث عن إجماع وطني فيما لا يزال جزء أساسي من اللبنانيين يشعر بأن القرارات المصيرية تتخذ من دون توافق وطني شامل؟
إن بناء الدولة لا يبدأ من مطالبة الناس بالصمت، بل من إعطائهم حق السؤال والمحاسبة والمشاركة. فالمواطن ليس مجرد متلقٍ للنتائج، بل شريك في الوطن، ومن حقه أن يعرف كيف تُتخذ القرارات التي قد تغير حياته وحياة أسرته ومجتمعه. لقد أثبتت التجارب أن الدول القوية ليست تلك التي تملك أكبر قدر من الشعارات، بل تلك التي تنجح في بناء مؤسسات تحظى بثقة مواطنيها، وتضمن أن تكون السلطة والمسؤولية في المكان نفسه. فحيث توجد سلطة بلا مسؤولية يضيع الحق، وحيث توجد مسؤولية بلا سلطة تضيع الدولة. واليوم، بعد سنوات طويلة من الأزمات والانهيارات والحروب والانقسامات، يحتاج لبنان إلى نقاش وطني صريح وشجاع حول مستقبل الدولة نفسها. نقاش لا يقوم على التخوين ولا على الاصطفافات الحادة، بل على سؤال بسيط وعميق في آن واحد: أي وطن نريد؟
هل نريد وطنًا يبقى أسير الأزمات المفتوحة والصراعات المتكررة، أم وطنًا تكون فيه الدولة المرجعية العليا للجميع؟ هل نريد مواطنًا يعيش قلق الحرب الدائم، أم مواطنًا يشعر بأن حياته وكرامته وأمنه هي الأولوية الأولى في السياسات الوطنية؟ إن الدفاع عن لبنان يبدأ من الدفاع عن الإنسان اللبناني، وعن حقه في الأمن والعيش الكريم والاستقرار. وكل مشروع سياسي أو أمني أو وطني يجب أن يُقاس أولًا بقدرته على حماية الناس لا بقدرته على مطالبتهم بالمزيد من التضحيات.
فالأوطان لا تُبنى فقط بالشجاعة، بل بالحكمة أيضًا. ولا تُحفظ فقط بالقوة، بل بالعدالة والمؤسسات والمشاركة الوطنية. أما السيادة الحقيقية، فهي تلك التي تجعل القرار والمسؤولية والمحاسبة تحت سقف دولة واحدة، ويكون فيها المواطن شريكًا في صناعة مصيره، لا مجرد من يدفع ثمن القرارات التي لم يصنعها.