معروف عن الرئيس نبيه برّي أنه يحب "التنكيت". ينقل عنه عارفوه أنه "مهضوم"، يخلط ما بين الذكاء والمزاح. إلا أن "النكتة" الحقيقية الظاهرة اليوم هي حديثه، ومعه بعض قدامى السياسيين، عن "ضمانات" يقدّمها بخصوص "حزب الله". أصبحنا في العام 2026، ولا يزال برّي يعتقد أننا نعيش في العام 2022. يقدّم عروض "الضمانات" للبنانيين والأجانب، على قاعدة أنه ممسك بتعقيدات وتقاطعات المعادلة المحلية والإقليمية. إلا أنه لا يزال يعمل على software مرّ عليه الزمن، ولم يعد صالحًا لتحديات يومنا هذا. آخر إبداعاته كانت الحديث عن أنه إذا أُعطي وقفًا لإطلاق النار، فسيعطينا "ما يدهش العالم". تعابير "خنفشارية" من زمن "التفنيص" اللبناني على العالم. هذا "التفنيص" أو التذاكي الذي أوصلنا إلى الكارثة التي نعيشها اليوم، والذي أصلا لم يعد له مكان في عالم ما بعد 7 أكتوبر 2023.
المشكلة لم تعد "أرانب" برّي، بل تعدّتها إلى كونه لم يعد قادرًا حتى على لعب دور الوسيط الجدّي، نظرًا إلى إمساك الحرس الثوري المباشر بمفاصل العمل العسكري والأمني والسياسي لـ"حزب الله". بهذا المعنى، انتهى دور الرئيس برّي مع مقتل أمين عام "حزب الله" السابق السيد حسن نصرالله، الذي كان يقول عنه برّي إنه وإياه "شخص واحد في جسدين". كان برّي قادرًا على التفاهم مع نصرالله، وحياكة التفاهمات الكاذبة معًا، من القرار 1701 في العام 2006 إلى الترسيم البحري في العام 2022. كان الأميركي يثق ببرّي، وكذلك "حزب الله". اتّخذ دور الوسيط الجدّي، فأعطى الأميركيين بالشكل والتكتيك، و"الحزب" بالمضمون والاستراتيجيا. أيّ من "ضماناته" لم يتحقق، ولكنه كان يستطيع أن "يبلف" الجميع بسحره المفترض.
انتهى هذا الزمن. انتهى إلى درجة أن برّي لم يعد قادرًا حتى على التواصل الجدّي مع "قيادة" الحزب، المتمثّلة طبعًا بالحرس الثوري. قبل العناوين الاستراتيجية، ظهر ضعف برّي في "حادثة الروشة"، حين أعطى "ضمانات" بعدم إضاءة الصخرة، ورعى آنذاك تسوية ما بين المنظمين، جماعة وفيق صفا، وبين الدولة اللبنانية ممثّلة برئيس حكومتها. فشل برّي في المهمة، وتهرّب من تحمّل المسؤولية، على قاعدة أن المتظاهرين تمرّدوا على تسويته. كان هذا الاختبار الأول والأصغر. ثم أتى الاختبار الأكثر جدّية، حين وعد برّي الرئيسين عون وسلام بأن "حزب الله" لن يدخل الحرب الإيرانية - الأميركية. قدّم نفسه على أنه "الضامن" لعقلانية "حزب الله" في لحظة مصيرية. وحين دخل "حزب الله" المعركة، انتقم برّي بالسماح لوزرائه بعدم الانسحاب من الجلسة الحكومية التي أعلنت أن العمل العسكري والأمني لـ"حزب الله" غير قانونيين. من بعد ذلك، عاد الرئيس برّي إلى عاداته القديمة، محاولا من جديد لعب الدور ونقيضه: مساعدة "حزب الله" عسكريًا وسياسيًا في معركته، ومفاوضة الدولة والأميركيين بصفته جسر العبور بين الشيعة اللبنانيين ومشروع الدولة.
يطمح بعض اللبنانيين والكثير من القادة الأجانب إلى أن يكون نبيه برّي دي كليرك الشيعة اللبنانيين، أسوة بالقائد التاريخي للبيض في جنوب أفريقيا الذي ضمن قبول جماعته وحزبه بإنهاء سلمي لحكم الفصل العنصري، إلا أن كل التجارب معه أثبتت أنه لا يعدو كونه سياسيًا لبنانيًا تقليديًا، يحيك تسويات منظومة المافيا والميليشيا عبر مزيج من التهديد والابتزاز والإغراء. لا شيء "تاريخيًا" في شخصية الرئيس برّي. كان التاريخ ليذكر أنه رعى مسار إنماء الجنوب وتطويره وتمكينه، إلا أن "حزب الله" نزع منه هذا الإنجاز الوحيد، مدمّرًا الجنوب بأكمله، ومودعًا أهله في مدارس وخيم بيروت والمناطق المجاورة. ماذا فعل برّي كردّة فعل على ذلك؟ قيل لنا إنه "حرد" قليلا، قبل أن يعود إلى الحديث التقليدي عن عدوانية إسرائيل وجرائمها. بدل أن يتصرّف كرجل دولة ويغتنم الفرصة لكسر سطوة "الحزب"، تصرّف على أنه "الجناح السياسي" لـ"حزب الله". فعلا، أدهش العالم.
ربما من الحسنات القليلة لهذه الكارثة التي حلّت على لبنان أننا انتهينا من "كذبة" اسمها ضمانات نبيه برّي. برّي نفسه الذي صدع رؤوسنا بطلب "وقف إطلاق النار"، وعندما أتى له الرئيس عون بوقف إطلاق النار هذا، ذهب برّي إلى المناقشة في جنس الملائكة. الحقيقة هي أنه ليس صاحب قرار، ولا حتى شريكًا فيه، بخصوص قبول الطرف المقاتل، أي الحرس الثوري، بأي اتفاق. قد ينظر البعض إلى هذا التطوّر بمعناه السلبي، إلا أنه بالفعل إيجابي: لم يعد أحد مضطرًا إلى التفاهم مع الوكيل، خصوصًا أن الوكيل يبني تفاهماته على موهبة استثنائية في الغش والتذاكي والتحايل. فلنتحدّث مع الأصيل. وإما نتفاهم مع الحرس الثوري أو لا نتفاهم. لا بأس أن يستمر البعض في الحديث مع الرئيس برّي والاستمتاع بروحه المرحة، إلا أن علينا جميعًا الانتهاء من جدّية التعامل مع "نكتة" اسمها ضمانات نبيه برّي.