ليس كلام النائب حسين الحاج حسن مجرد ردّ سياسي على رئيس الجمهورية أو اعتراض على مسار تفاوضي ناشئ. إنه، في عمقه، وثيقة ارتباك. ارتباك حزب يعرف أن الأرض السياسية تتغيّر تحت قدميه، وأن اللحظة لم تعد تسمح له باحتكار الحرب باسم الوطن، ثم تحميل الدولة كلفة النتائج باسم السيادة. لذلك جاء الخطاب مثقلاً بالاتهام والتخوين والمظلومية، لكنه أخفق في الإجابة عن السؤال الوحيد الذي يختصر المأزق كله: من أعطى حزب الله حق إدخال لبنان في حرب لا يملك اللبنانيون قرارها، ولا قدرة على وقفها، ولا ضمانة لنتائجها؟
هذه هي نقطة البداية التي يحاول خطاب الحزب الهروب منها. فهو يسأل الدولة عن الانسحاب والإعمار والنازحين والأسرى، لكنه لا يسأل نفسه عن أصل الكارثة. يسأل عن الثمن، ويتجاهل من اتخذ القرار الذي رتّب هذا الثمن. يسأل عن النتائج، ويرفض البحث في السبب. ومن هنا يبدأ الخلل: لا يمكن لمن صادر قرار الحرب أن يحاسب الدولة على نتائج الحرب كأنه مراقب محايد أو نائب في صفوف المعارضة التقليدية.
حين يسأل النائب: هل قبلتم اعتذار العدو بعد استهداف الجيش؟ يكون الرد الطبيعي: ومن قال إن اللبنانيين قبلوا أصلاً أن يبقى جيشهم بين نارين؟ نار إسرائيل التي تنتهك وتعتدي وتقتل، ونار السلاح غير الشرعي الذي حوّل الجنوب إلى ساحة مفتوحة على حسابات لا يقرّرها لبنان. استهداف الجيش اللبناني جريمة موصوفة ومدانة بلا تردّد، لكنها لا تصبح حجة لتثبيت منطق الدويلة. بل العكس تماماً: دماء العسكريين يجب أن تكون سبباً إضافياً لتثبيت مرجعية الجيش وحده، لا ذريعة لحماية السلاح الذي جعل الدولة مكشوفة والجيش محشوراً بين واجب الدفاع عن السيادة وواقع قرار عسكري خارج سلطته.
المفارقة الكبرى أن حزب الله يطالب الدولة بنتائج الدولة، لكنه يرفض أن يمنحها أدوات الدولة. يطالبها بالانسحاب الإسرائيلي، لكنه يرفض حصرية قرار الحرب والسلم. يطالبها بحماية الجنوب، لكنه لا يقبل أن يكون الجيش السلطة العسكرية الوحيدة فيه. يطالبها بالإعمار، لكنه يبقي لبنان رهينة دورة دمار جديدة. يطالبها بالتفاوض، لكنه يريد تفاوضاً لا يقترب من جوهر المشكلة. يريد دولة تتحمل المسؤولية، لا دولة تملك القرار. يريد شرعية تغطي النتائج، لا سلطة تضبط الأسباب.
وهنا تكشف الشرعية الدولية ما يحاول خطاب الحزب إخفاءه. فالقرار 1559 لم يكن تفصيلاً عابراً في تاريخ الأزمة اللبنانية، بل نصّ بوضوح على نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وبسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها. والقرار 1701 لم يأتِ ليمنح حزب الله حق إدارة الجنوب من خلف الدولة، بل ليؤكد أن المنطقة بين الخط الأزرق والليطاني يجب أن تكون خالية من أي سلاح أو سلطة عسكرية خارج الدولة واليونيفيل. منذ ما يقارب العقدين، يرفض الحزب جوهر هذين القرارين، ثم يقف اليوم ليحاسب الدولة لأنها لم تحقق نتائج السيادة فيما هو نفسه منع شروط السيادة.
أما استحضار كلام ماركو روبيو عن أن حزب الله عدو مشترك للبنان وإسرائيل وأميركا، فهو محاولة مكشوفة لنقل النقاش من جوهره اللبناني إلى فخ الاصطفاف الخارجي. لبنان لا يحدد مصلحته الوطنية من قاموس واشنطن، ولا من قاموس طهران، ولا من قاموس تل أبيب. المعيار الوحيد هو الدولة اللبنانية. والسؤال ليس ماذا قالت أميركا عن حزب الله، بل ماذا فعل سلاح حزب الله بلبنان: هل قوّى الدولة أم صادرها؟ هل حمى السيادة أم ورّطها؟ هل جعل الجيش مرجعية وحيدة أم حوّله إلى شاهد على حرب لا يملك قرارها؟ من هنا، لا يحتاج اللبنانيون إلى شهادة روبيو كي يعرفوا أن أي سلاح خارج الدولة هو عدو لفكرة الدولة نفسها، حتى لو رفع أقدس الشعارات.
بهذا المعنى، اعتراض حزب الله على أي اتفاق لا يشبه اعتراض فريق سياسي يخشى على الحقوق الوطنية، بل يشبه اعتراض صاحب امتياز بدأ يفقد احتكاره. هو لا يخاف من السلام بقدر ما يخاف من الدولة التي قد يولدها مسار السلام. ولا يخاف من التفاوض بحد ذاته، بل من تفاوض يضع السلاح على الطاولة. ولا يخاف على لبنان من الضعف، بل من قوة الدولة حين تصبح قادرة على القول إن لا شرعية فوق شرعيتها، ولا بندقية فوق بندقية الجيش، ولا قرار حرب وسلم خارج مؤسساتها.
أما القول إن الحديث عن السلام متسرّع أو متهور، فهو محاولة لتجريم السياسة قبل مناقشة مضمونها. لا أحد يطلب سلاماً مجانياً، ولا أحد يملك التنازل عن أرض لبنان أو حقوقه أو دماء أبنائه. لكن بين الاستسلام والحرب الدائمة توجد مساحة اسمها الدولة. الدولة التي تفاوض لا تخون. الدولة التي تسعى إلى وقف الحرب لا تستسلم. الدولة التي تبحث عن انسحاب وضمانات وإعمار وعودة نازحين واستعادة أسرى لا تقدم هدية للعدو، بل تحاول انتزاع لبنان من فم الحرب المفتوحة.
الأكثر دلالة في خطاب الحزب هو الاحتجاج على القول إن حزب الله لا يمثل كل اللبنانيين. نعم، لحزب الله نواب وناخبون وبيئة سياسية، وهذا حقه في النظام الديمقراطي. لكن التمثيل النيابي لا يعطي أي حزب حق امتلاك ترسانة، ولا حق إعلان حرب، ولا حق تعطيل قرار الدولة. الأصوات الانتخابية تنتج كتلاً نيابية، لا جيوشاً مستقلة. والشرعية الشعبية، مهما بلغت، لا تتحول إلى تفويض عسكري مفتوح. وإلا صار لكل طائفة جيشها، ولكل حزب حدوده، ولكل كتلة نيابية حقها الخاص في الحرب والسلم. هذه ليست ديمقراطية. هذا تفكيك منظم لفكرة الجمهورية.
وعندما يقول الحزب إن جزءاً وازناً من اللبنانيين لن يقبل السلام، فالمشكلة ليست في وجود رأي معارض. فمن حق أي فريق أن يعارض، وأن يتظاهر، وأن يصوّت، وأن يسقط حكومة أو يأتي بأخرى ضمن الدستور. المشكلة تبدأ حين يتحول الرأي السياسي إلى فيتو مسلح على الدولة. في الدول الطبيعية، الاعتراض يُترجم في البرلمان والانتخابات والحكومة والرأي العام. أما حين يتحول الاعتراض إلى سلاح فوق المؤسسات، فنحن لا نكون أمام تعددية سياسية، بل أمام وصاية مسلحة على القرار الوطني.
أما استحضار إيران في الخطاب، فهو ليس تفصيلاً بل اعتراف سياسي غير مقصود. حين يقول الحزب إن إيران تبنّت الموقف اللبناني وهددت بالانسحاب من مفاوضاتها لأجل لبنان، فهذا لا يطمئن اللبنانيين بل يخيفهم. لبنان لا يحتاج إلى من يتبنى موقفه من خارج دولته، ولا إلى من يفاوض عنه من طهران أو واشنطن أو أي عاصمة أخرى. فإذا كان الحزب يرى في الموقف الإيراني حماية للبنان، فذلك يؤكد جوهر المشكلة: أن قرار الحرب والسلم لم يكن لبنانياً بالكامل، وأن لبنان كان يُستخدم ورقة في مفاوضات الآخرين، لا دولة تفاوض باسم نفسها.
هنا تظهر الورطة الحقيقية. حزب الله لا يستطيع الذهاب إلى حرب مفتوحة لأنها ستدمّر ما تبقّى من بيئته ومن لبنان. ولا يستطيع القبول الكامل بمنطق الدولة لأن ذلك يعني نهاية الامتياز العسكري الذي عاش عليه. ولا يستطيع رفض التفاوض بالمطلق لأنه يعرف أن كلفة الحرب أصبحت أكبر من قدرة الناس على احتمالها. لذلك يريد أن يعترض على التفاوض وأن يطالب بنتائجه في الوقت نفسه؛ أن يهاجم الدولة وأن يطلب منها التعويض؛ أن يرفض شروط السيادة وأن يحاسب الآخرين على غياب السيادة.
والاختباء خلف الجيش والنازحين والأسرى والإعمار لا يغيّر الحقيقة. هذه قضايا وطنية موجعة، لكنها لا تُستخدم لتبييض أصل الكارثة. يريد الحزب الجيش شاهداً على عدوان إسرائيل، لا مرجعاً حصرياً للسلاح. يريد النازحين دليلاً على وحشية العدو، لا دليلاً على فشل معادلة الحماية. يريد الإعمار مسؤولية الدولة، لا نتيجة لخياراته. يريد الأسرى عنواناً عاطفياً، لا مدخلاً إلى تسوية وطنية شاملة. في كل مرة يحوّل الألم اللبناني إلى ذخيرة سياسية تمنع السؤال عن القرار الذي فتح باب الألم.
أما فزّاعة “قوة لبنان بضعفه”، فهي محاولة قديمة لتزوير النقاش. لا أحد يريد لبنان ضعيفاً. لكن القوة الحقيقية ليست في أن يحتفظ حزب بسلاحه إلى ما لا نهاية، ولا في أن تبقى الدولة عاجزة أمام من يدّعي حمايتها. لبنان القوي هو الذي يفاوض من موقع الشرعية، يحشد العرب والعالم إلى جانبه، يفرض الانسحاب بالسياسة والقانون والضغط الدولي، ويبني جيشاً لا ينافسه أحد على أرضه. أما لبنان القوي بعجز دولته أمام حزب مسلح، فليس قوياً. إنه لبنان مخطوف باسم القوة.
لذلك لم يعد النقاش اليوم بين مقاومة وسلام، ولا بين تشدد ومرونة، ولا بين وطنية وخيانة. النقاش الحقيقي هو بين من يريد لبنان دولة، ومن يريد الدولة غطاء لسلاحه. بين من يريد إنهاء الحرب، ومن يريد إدارتها إلى الجولة التالية. بين من يرى الجيش مرجعية وطنية، ومن يريده شاهداً على صوابية سلاحه. بين من يعتبر اللبنانيين شعباً واحداً تحت سقف الدولة، ومن يوزّعهم بين “شرفاء” و“آخرين” بحسب موقفهم من حزب الله.
كلام رئيس الجمهورية عن الدولة والتفاوض ليس استفزازاً لشريحة لبنانية، بل بداية عودة المعنى الطبيعي للجمهورية. من يريد أن يكون جزءاً من لبنان فمكانه في الدولة، لا فوقها. ومن يريد أن يمثل الناس فليترجم تمثيله سياسة لا سلاحاً. ومن يطالب بانسحاب العدو فليعطِ الدولة أولاً حقها الكامل في أن تكون دولة. ومن يرفض أن يفاوض أحد عن لبنان، فليبدأ برفض أن تكون إيران وصية على قراره أو شريكة في تحديد مصيره.
حزب الله اليوم لا يواجه خصوماً سياسيين فقط. يواجه مرآة قاسية: الجنوب المدمّر، الجيش المستهدف، النازحون، البيئة المنهكة، والدولة التي لم يعد ممكناً إبقاؤها معلّقة بين السيادة الشكلية والقرار المصادَر. وكلما رفع صوته دفاعاً عن “المقاومة”، بدا أوضح أنه يدافع في الحقيقة عن حقه القديم في أن يقرر عن لبنان، ثم يترك لبنان يدفع الفاتورة.
لبنان لا يحتاج إلى مقاومة تبرّر بقاء الحرب، بل إلى دولة تنهي سببها. ولا يحتاج إلى من يتكلم باسم “الشرفاء” ضد “الآخرين”، بل إلى جمهورية يكون فيها الجيش فوق كل سلاح، والدستور فوق كل فيتو، والدولة وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم والحياة والموت.
هذا ليس استفزازاً لأحد. هذا هو تعريف الدولة.