العميد المتقاعد جوني خلف

ميشال عون: C’était trop tard

11 دقيقة للقراءة

في تاريخ لبنان الحديث، قلّما ارتبط اسم سياسي بكل هذا القدر من الآمال والخيبات كما ارتبط اسم ميشال عون. فمنذ اللحظة التي دخل فيها قصر بعبدا رئيسًا للحكومة العسكرية عام 1988، وحتى اللحظة التي غادر فيها القصر الجمهوري في 31 تشرين الأول 2022، امتدت مسيرة سياسية حافلة بالمواجهات والتحولات والتسويات والرهانات التي انتهى معظمها إلى نتائج معاكسة لما وعد به اللبنانيين. ولذلك، قد لا يجد المؤرخون يومًا عبارة أكثر اختصارًا ودقة لوصف هذه التجربة من تلك العبارة الفرنسية البسيطة: C’était trop tard.

لقد فات الأوان. فات الأوان على الإصلاح، وفات الأوان على استعادة الدولة، وفات الأوان على تصحيح المسار، وفات الأوان على إنقاذ الجمهورية من الانهيار الذي كان يقترب عامًا بعد عام، فيما أصحاب السلطة يتصرفون وكأن الوقت لا يزال متاحًا.

عندما خرج ميشال عون من قصر بعبدا في 13 تشرين الأول 1990، بعد انتهاء ما عُرف بحرب التحرير وحرب الإلغاء، خرج بصورة الجنرال الذي تحدّى النظام السوري ورفض التسويات المفروضة على لبنان. وخلال سنوات منفاه الطويلة في فرنسا، نجح في ترسيخ صورة المعارض السيادي الذي يدفع ثمن مواقفه السياسية.

عندما عاد ميشال عون إلى لبنان في أيار 2005، كانت البلاد لا تزال تحت وقع الزلزال الذي أحدثه اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط من العام نفسه. كان اللبنانيون يعيشون واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخهم الحديث، وقد تشكّلت يومها أكثرية سياسية وشعبية واسعة اعتبرت أن اغتيال الحريري لم يكن جريمة عادية، بل محطة مفصلية استهدفت مشروع قيام الدولة اللبنانية بعد انسحاب الجيش السوري. وفي تلك المرحلة، انتظر كثيرون من عون أن يكون في صلب هذا المسار السيادي بحكم تاريخه السياسي ومواقفه السابقة، إلا أن الأشهر اللاحقة حملت اتجاهًا مختلفًا تمامًا، انتهى بتوقيع تفاهم مار مخايل عام 2006، ليبدأ فصل جديد من التموضع السياسي ستكون له انعكاسات عميقة على مجمل الحياة اللبنانية خلال العقدين التاليين.

في السادس من شباط 2006، وُقّع تفاهم مار مخايل بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله". يومها، قُدّم الاتفاق على أنه خطوة نحو بناء شراكة وطنية وحماية الاستقرار الداخلي، لكن النتائج السياسية التي ترتبت عليه تجاوزت بكثير ما كُتب في نصوصه. فقد منح التفاهم "حزب الله" غطاءً مسيحيًا واسعًا في مرحلة كانت البلاد تشهد فيها نقاشًا حادًا حول سلاحه ودوره الإقليمي وعلاقته بمؤسسات الدولة. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد ميشال عون مجرد حليف سياسي لـ"الحزب"، بل أصبح أحد أبرز المدافعين عن خياراته في الداخل والخارج، حتى عندما كانت هذه الخيارات موضع انقسام حاد بين اللبنانيين.

وفي السنوات التي تلت، دخل لبنان مرحلة دامية من الاغتيالات السياسية. سقط رفيق الحريري، ثم سمير قصير، ثم جورج حاوي، ثم جبران تويني، ثم بيار الجميل، ثم وليد عيدو، ثم أنطوان غانم، ثم وسام عيد، ثم وسام الحسن، ثم محمد شطح، وغيرهم من الشخصيات التي شكّلت أعمدة في الحياة السياسية والإعلامية والأمنية اللبنانية. وليس المطلوب هنا إطلاق اتهامات قضائية أو استنتاجات قانونية، فالقضاء وحده يملك حق تحديد المسؤوليات الجزائية. لكن السياسة تُحاكم بالمواقف كما تُحاكم بالأفعال. وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل في مسيرة ميشال عون. ففي الوقت الذي كانت فيه غالبية القوى السيادية تعتبر أن هذه الاغتيالات تستهدف مشروع الدولة والاستقلال، اختار عون الوقوف في موقع مختلف. لم ينضم إلى المعركة السياسية التي خاضتها قوى 14 آذار دفاعًا عن المحكمة الدولية، ولم يتعامل مع ملف الاغتيالات بوصفه أولوية وطنية تستوجب إعادة النظر في التحالفات القائمة، بل استمر في تمسّكه بخياراته السياسية مهما بلغت حدّة الانقسام الداخلي.

وعندما أصدرت المحكمة الخاصة بلبنان أحكامها في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري وأدانت سليم عياش، لم يؤدّ ذلك إلى أي مراجعة سياسية فعلية للتحالف الذي قام عام 2006. بالنسبة إلى خصوم عون، لم تكن المشكلة في عدم مسؤوليته المباشرة عن الجرائم، بل في استمراره في توفير الغطاء السياسي لتحالف لم يتزعزع رغم كل ما أصاب البلاد من صدمات وأزمات وانقسامات. ومن هنا بدأت تتسع الفجوة بين صورة الجنرال الذي رفع شعار السيادة وصورة السياسي الذي بات يُنظر إليه على أنه يبرّر أو يتجاهل الوقائع التي تتعارض مع ثوابت رفعها بنفسه لعقود. لم يكن الأمر مجرّد "صمت سياسي"، بل تحوّل تدريجيًا إلى خطاب يبرّر أو يخفّف أو يهاجم خصوم الحزب بدل مواجهة أصل الأزمة، أي وجود سلاح خارج الدولة.

أما الجرح الأكبر فكان في حادثة النقيب الطيار سامر حنا عام 2008، حين أُطلقت النار على مروحية للجيش اللبناني في منطقة سجد الجنوبية، ما أدى إلى مقتله. الحادثة صدمت اللبنانيين لأنها كشفت للمرة الأولى بشكل مباشر وجود "مناطق محرّمة" على الجيش نفسه داخل الأراضي اللبنانية. تقارير إعلامية ومواقف سياسية آنذاك حمّلت "حزب الله" مسؤولية إطلاق النار، فيما سلّم الحزب لاحقًا أحد عناصره للتحقيق قائلا إن ما حدث كان "خطأ".

لكن الصدمة لم تكن فقط في مقتل ضابط لبناني على يد جهة لبنانية مسلّحة، بل في ردّ فعل ميشال عون. فبدل أن يرفع الغطاء السياسي عن حادثة بهذا الحجم، خرج بخطاب اعتبر فيه أن ما جرى "حادث يمكن أن يحصل"، وركّز على عدم استغلال القضية سياسيًا. يومها، شعر كثير من اللبنانيين أن الجنرال الذي كان يرفع شعار كرامة المؤسسة العسكرية بات يبرّر عمليًا وجود سلطة أمنية موازية فوق سلطة الجيش.

وهنا تحديدًا سقط القناع.

لأن القضية لم تعد مجرد تحالف سياسي، بل انتقالا كاملا من مشروع الدولة إلى مشروع التسويات على حساب الدولة. صار المطلوب من اللبناني أن يقتنع بأن الجيش يجب أن "ينسّق" مع حزب يملك قراره العسكري الخاص، وأن بعض المناطق لها خطوط حمر لا يجوز دخولها إلا بإذن غير رسمي.

ثم جاءت أحداث السابع من أيار 2008 لتؤكد أن ميزان القوى الفعلي في البلاد لم يعد خاضعًا بالكامل لمؤسسات الدولة. ورغم كل ما حصل، بقي ميشال عون متمسّكًا بتحالفه الاستراتيجي مع "حزب الله"، مقتنعًا بأن هذا الخيار يخدم مشروعه السياسي ويقوده في نهاية المطاف إلى رئاسة الجمهورية. وقد وصل بالفعل إلى الرئاسة عام 2016 بعد فراغ رئاسي طويل وتسويات داخلية معقّدة شاركت فيها قوى متناقضة المصالح والتوجهات. يومها، اعتقد أنصاره أن مرحلة جديدة بدأت، وأن "الرئيس القوي" سيعيد بناء الدولة ويحقق الإصلاح الذي طال انتظاره.

لكن السنوات اللاحقة كانت تحمل واقعًا مختلفًا تمامًا. فبدلا من بناء الدولة، دخل لبنان في أكبر أزمة مالية واقتصادية في تاريخه الحديث. انهارت الليرة اللبنانية بصورة غير مسبوقة، وتبخّرت ودائع المواطنين، وتراجع مستوى المعيشة إلى حدود كارثية، وهاجر عشرات الآلاف من الشباب بحثًا عن مستقبل خارج وطنهم. لم يعد الحديث يدور حول مشاريع إصلاحية أو خطط إنقاذية، بل حول كيفية البقاء وتأمين أبسط مقومات الحياة. والأسوأ أن الانهيار لم يكن مفاجئًا بالكامل، بل جاء نتيجة سنوات طويلة من السياسات الخاطئة والعجز عن اتخاذ قرارات إصلاحية جدّية. وهنا عاد السؤال ليطرح نفسه من جديد: أين كان رئيس الجمهورية الذي وعد اللبنانيين بالتغيير والإصلاح؟ وأين كانت الدولة القوية التي بُشّر بها الناس؟

ثم جاء السابع عشر من تشرين الأول 2019 ليكشف حجم الغضب الشعبي المتراكم. خرج اللبنانيون إلى الشوارع من مختلف المناطق والطوائف، ليس اعتراضًا على قرار مالي محدّد، بل احتجاجًا على نموذج حكم كامل. وللمرة الأولى منذ عقود، وُجهت أصابع الاتهام إلى الطبقة السياسية برمتها. وكان العهد في قلب المشهد، لا على هامشه. لم يعد اللبنانيون يصدّقون الشعارات، ولم تعد الخطابات قادرة على إقناعهم بأن الحلول قادمة، لأن الواقع كان يزداد سوءًا يومًا بعد يوم.

لكن المأساة الكبرى كانت لا تزال في الطريق. ففي الرابع من آب 2020، دوّى انفجار مرفأ بيروت، فاهتز لبنان بأسره. قُتل أكثر من مئتي شخص، وأُصيب الآلاف، ودُمّرت أحياء كاملة من العاصمة. وبعد الكارثة، أقرّ ميشال عون بأنه كان قد تلقّى معلومات عن وجود نيترات الأمونيوم في المرفأ قبل أسابيع من الانفجار.

وفي السياق نفسه، ومع تداول ما نُقل في الإعلام عن سؤال وُجّه إليه حول عدم تحريك الأجهزة المختصة فور التبلّغ بوجود هذه المواد الخطرة قبل أسابيع من الانفجار، جاء الجواب الذي اختصر المشهد بعبارة: «C’était trop tard». غير أن هذا التوصيف فتح بدوره نقاشًا واسعًا حول طبيعة القرار الإداري والزمني في مثل هذه الحالات، إذ تشير تقديرات تقنية متداولة إلى أن معالجة أو إزالة مواد مماثلة كانت تتطلب وقتًا قصيرًا نسبيًا لا يتجاوز نطاق التنفيذ السريع إذا اتُخذ القرار السياسي والأمني المناسب. وهنا برز مجددًا السؤال حول الفجوة بين توافر المعلومة وبين تحويلها إلى إجراء فعّال داخل الأجهزة الأمنية.

صحيح أن الجدل القانوني حول طبيعة المسؤوليات بقي قائمًا، لكن سياسيًا بقي السؤال مطروحًا بقوة: كيف يمكن أن تصل معلومات بهذا الحجم والخطورة إلى أعلى سلطة في الدولة من دون أن تُترجم إلى إجراءات استثنائية تمنع وقوع الكارثة؟ وكيف يمكن لرئيس جمهورية يعلم بوجود مواد متفجرة بهذا الحجم أن يغادر منصبه فيما لا يزال أهالي الضحايا ينتظرون الحقيقة الكاملة؟

لقد تحوّل انفجار المرفأ إلى مرآة تعكس صورة الدولة في نهاية عهد ميشال عون: مؤسسات عاجزة، قضاء معطّل، حقيقة مؤجلة، وعدالة تنتظر. ومع مرور السنوات، أصبح الانفجار رمزًا لكل ما فشل العهد في معالجته أو منعه أو احتوائه. وعندما انتهت الولاية الرئاسية في خريف 2022، لم يخرج اللبنانيون بشعور أنهم طووا صفحة ناجحة من تاريخهم، بل بشعور أنهم خرجوا من واحدة من أكثر المراحل قسوة وإيلامًا في تاريخ الجمهورية.

قد يختلف اللبنانيون حول شخصية ميشال عون، وقد يختلفون حول نواياه وأهدافه وخياراته، لكن ما يصعب الاختلاف عليه أن عهده انتهى بانهيار غير مسبوق على المستويات المالية والاقتصادية والمؤسساتية، وأن تحالفاته السياسية بقيت ثابتة رغم كل الزلازل التي ضربت لبنان منذ عام 2006 وحتى مغادرته السلطة. ولذلك، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحًا في كتب التاريخ ليس فقط لماذا فشل العهد، بل لماذا لم تحصل المراجعة في أي مرحلة من مراحله. لماذا لم تتغير الخيارات بعد الاغتيالات؟ لماذا لم تتغير بعد سامر حنا؟ لماذا لم تتغير بعد السابع من أيار؟ لماذا لم تتغير بعد الانهيار المالي؟ ولماذا لم تتغير حتى بعد انفجار مرفأ بيروت؟

وقد يسأل البعض: لماذا العودة اليوم إلى هذه المرحلة؟ ولماذا إعادة فتح ملفات مضى على بعضها ما يقارب العقدين؟ والجواب أن القضية لم تعد قضية ماضٍ بقدر ما أصبحت قضية حاضر ومستقبل. فالأزمات التي يعيشها لبنان اليوم لم تنشأ فجأة، بل هي نتيجة مسار طويل من الخيارات السياسية والتسويات والتحالفات التي تراكمت آثارها عامًا بعد عام. صحيح أن مسؤولية الانهيار لا تقع على ميشال عون وحده، فهناك مسؤوليات تتحملها قوى سياسية عديدة ومحاور إقليمية ومنظومة حكم كاملة شاركت في إيصال البلاد إلى ما وصلت إليه، إلا أن خصوصية تجربة عون تكمن في أنه منح أكبر غطاء مسيحي لتحالف شكّل محورًا أساسيًا في معادلة السلطة خلال العقدين الأخيرين. ومن هنا، لا تعود المسألة مرتبطة فقط بتفاهم وُقّع عام 2006، بل بالنتائج التي ترتبت عليه لاحقًا: دولة تراجعت لمصلحة موازين قوى موازية، ومؤسسات ضعفت أمام الوقائع المفروضة، وانقسام وطني استمر في الاتساع حتى وصل لبنان إلى حافة الانهيار. لذلك، فإن العودة إلى تلك المرحلة ليست نبشًا للماضي بقدر ما هي محاولة لفهم الحاضر. فالأمم التي لا تراجع خياراتها الكبرى تبقى أسيرة أخطائها، ولبنان اليوم لا يزال يعيش جزءًا من نتائج القرارات التي اتُخذت بالأمس.

ربما لأن ميشال عون ظل مقتنعًا حتى اللحظة الأخيرة بأن الوقت لا يزال متاحًا لتصحيح المسار. لكن التاريخ غالبًا لا يمنح فرصًا إضافية. وعندما غادر القصر الجمهوري تاركًا خلفه دولة مفلسة ومؤسسات منهكة وشعبًا يائسًا، بدا وكأن المأساة لم تكن فقط في الأخطاء التي ارتُكبت، بل في الإصرار على عدم مراجعتها. لقد وصل أخيرًا إلى الموقع الذي أمضى عمره يحلم به، لكنه وصل بعدما كانت الجمهورية قد دخلت مرحلة التآكل، وبعدما كانت الأسئلة الكبرى التي طاردت لبنان منذ عام 2005 لا تزال بلا أجوبة حاسمة، وبعدما كانت كلفة الخيارات والتحالفات التي رافقت مسيرته السياسية قد أصبحت جزءًا من الواقع اللبناني اليومي.

لهذا، فإن عبارة C’était trop tard لا تختصر فقط نهاية عهد أو حصيلة ولاية رئاسية، بل تختصر مسارًا كاملا من الفرص الضائعة والمراجعات المؤجلة والرهانات التي جاءت متأخرة. وقد يكون الحكم الأقسى الذي سيصدره التاريخ يومًا أن الرجل الذي انتظر طويلًا ليصل إلى بعبدا، لم يدرك أن الأوطان أيضًا تملك مواعيدها، وأن لبنان، عندما كان يحتاج إلى المراجعة، كان ينتظرها في وقتها، لا بعد فوات الأوان.

C’était trop tard