بعد أن توقفنا في المقال التمهيدي "نحو الإنسانية " عند السؤال المؤسس لهذه السلسلة: لماذا نعود دائماً إلى الإنسان؟، كان لا بد أن يقودنا هذا البحث إلى خطوة جديدة.
فإذا كان المقال الأول قد دافع عن الإنسان في مواجهة تحوّل العقيدة إلى غاية بحد ذاتها، وكان المقال الثاني قد دافع عن الأخلاق في مواجهة الاكتفاء بالقانون، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
كيف يمكن للإنسان، بكل ما يحمله من عقائد وثقافات وانتماءات وهويات مختلفة، أن يعيش مع غيره داخل وطن واحد دون أن يفقد خصوصيته أو يلغي خصوصية الآخرين؟
ما الذي يجمع الناس عندما تختلف معتقداتهم؟
وما الذي يحمي وحدتهم عندما تتعارض مصالح انتماءاتهم؟
وما هو الإطار الذي يسمح للتنوع بأن يصبح مصدر غنى لا سبباً للانقسام؟
هنا نصل إلى مفهوم المواطنة.
فإذا كان الإنسان هو الغاية، وكانت الأخلاق هي الأساس، فإن المواطنة هي المساحة المشتركة التي تجعل العيش معاً ممكناً، وتجعل المختلفين قادرين على أن يكونوا شركاء في وطن واحد ومصير واحد.
المواطنة ليست مجرد وضع قانوني يمنح الإنسان جواز سفر أو بطاقة هوية، بل هي الفكرة التي تجعل أبناء العقائد المختلفة شركاء في إطار وطن واحد، وتجعل الوطن فوق الانتماءات، وتجعل الإنسان يُعامل بصفته مواطناً لا بصفته تابعاً لجماعة أو طائفة.
فإذا كان المقال الأول دعوةً إلى رؤية الإنسان قبل العقيدة، وكان المقال الثاني دعوةً إلى سماع صوت الضمير قبل ضجيج القوانين، فإن هذا المقال هو دعوة إلى أن يرى أبناء الوطن الواحد بعضهم بعضاً من جديد؛ لا كأبناء طوائف متقابلة، بل كركّاب مركب واحد، أرض واحدة وذاكرة واحدة وأحلام واحدة، مهما اختلفت الأسماء وطقوس الصلوات والانتماءات..
كيف يصبح المختلفون وطناً واحداً؟
لعل هذا السؤال هو الامتحان العملي لكل ما سبق، فليس كافياً أن نضع الإنسان في مركز العقيدة، ولا أن نجعل الأخلاق أسمى من القانون، إذا كنا نعجز عن تحويل هذا الإنسان الأخلاقي إلى مواطن قادر على العيش مع المختلف عنه.
منذ آلاف السنين، عرّف الإنسان نفسه من خلال القبيلة أو العشيرة أو الطائفة أو الإمبراطورية التي ينتمي إليها. وكان الانتماء إلى الجماعة مصدر الحماية والهوية والمكانة الاجتماعية. لكن تطور المجتمعات وظهور الدولة الحديثة طرح سؤالاً جديداً: ما الذي يجعل ابن القبيلة او الجماعة مواطناً؟
المواطنة ليست مجرد رابطة قانونية بين الفرد والدولة، ولا مجرد وثيقة تثبت الانتماء إلى بلد معين. فالجنسية قد تمنح الإنسان هوية قانونية، أما المواطنة فتعطيه دوراً ومسؤولية ومشاركة في المصير المشترك.
وقد اختلف الفلاسفة في تعريفها، لكنهم التقوا حول جوهر واحد: "أن المواطن هو الإنسان الذي يرى في نفسه شريكاً في بناء المجتمع لا مجرد مستفيد منه".
يرى أرسطو (Aristotle) أن المواطن هو من يشارك في حياة المدينة ويسهم في صنع قراراتها ويسعى إلى الخير العام. ولذلك لم يكن الانتماء في نظره مسألة دم أو عرق أو دين، بل مسألة مشاركة ومسؤولية. فالمدينة، في نظره، ليست تجمعاً لقبائل متجاورة، بل مجتمعاً يسعى أفراده إلى تحقيق العدالة والخير المشترك.
وبعد أكثر من ألفي عام، جاء جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau) ليمنح هذه الفكرة بعداً سياسياً جديداً من خلال مفهوم العقد الاجتماعي (The Social Contract)، معتبراً أن الدولة لا تستمد شرعيتها من السلالة أو الدين أو القوة، بل من اتفاق المواطنين الأحرار على العيش المشترك ضمن قواعد واحدة؛ ومن هنا لم يعد الإنسان مجرد تابع لجماعة، بل أصبح شريكاً في بناء الدولة ومسؤولاً عن مصيرها.
أما الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas)، فيرى أن المواطنة هي قدرة الأفراد المختلفين في أديانهم وثقافاتهم وأصولهم على العيش معاً داخل فضاء عام واحد تحكمه الحقوق المتساوية والحوار العقلاني.
وتذهب الفيلسوفة الألمانية هنّا أرندت (Hannah Arendt) إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن المواطنة هي "الحق في أن يكون للإنسان حقوق". لكنها تحذر في الوقت نفسه من اختزال الإنسان في هوية واحدة؛ فعندما يصبح الإنسان مجرد عضو في طائفة أو حزب أو جماعة، يفقد تدريجياً قدرته على رؤية الآخرين كمواطنين متساوين معه، ويتحول المجال العام إلى ساحة صراع بين الهويات، وتتحول السياسة من خدمة الصالح العام إلى إدارة التوازنات والخوف المتبادل؛ عندها لا يعود السؤال: "ما هو الأفضل للوطن؟" بل يصبح: "ما هو الأفضل لجماعتي؟"؛ وهنا تبدأ الدولة بالتراجع لمصلحة العصبيات.
وعليه، يمكن القول إن المواطنة ليست انتماءً إلى الأرض فحسب، بل انتماء إلى مشروع مشترك. وهي ليست مجرد حقوق يطالب بها الإنسان، بل مسؤوليات يلتزم بها تجاه الآخرين. فالمواطن الحقيقي لا يُعرَّف بما يأخذه من وطنه، بل بما يضيفه إليه.
فالطائفة تجيب عن سؤال: "من نحن؟"
أما المواطنة فتجيب عن سؤال: "كيف نعيش معاً؟"
وربما لا يوجد مثال أكثر تعبيراً عن فكرة المواطنة من المؤسسة العسكرية. فعندما يقف الجندي على الحدود أو في مواجهة الأخطار، لا يُسأل عن طائفته ولا عن منطقته ولا عن انتمائه السياسي، بل عن التزامه بحماية الوطن. ففي تلك اللحظة، تتراجع الانتماءات الخاصة أمام انتماء أكبر يجمع الجميع تحت علم واحد ومصير واحد.
وهكذا لا يولد المواطن عندما يتخلى عن هويته أو خصوصيته، بل عندما يدرك أن انتماءاته المتعددة تجد معناها الأعمق داخل وطن يتسع للجميع.
عندما يسبق الانتماء المواطنة
ربما لا يوجد مثال أكثر حساسية من لبنان، فلبنان لم يفشل بسبب نقص المواهب أو الموارد البشرية أو الطاقات الفكرية، بل لأن الدولة غالباً ما وجدت نفسها أسيرة الانتماءات.
ففي كثير من الأحيان، لم يُسأل المسؤول: "هل هو الأكفأ؟" بل: "إلى أي جهة ينتمي؟" ولم تُوزع المسؤوليات دائماً على أساس الكفاءة، بل على أساس الانتماءات والتوازنات؛ وهكذا أصبحت الطوائف، التي كان يفترض أن تكون جزءاً من غنى المجتمع، تتحول أحياناً إلى جدران تفصل بين المواطنين.
ومع كل أزمة سياسية أو اقتصادية، يعود اللبناني إلى البحث عن حماية الجماعة عندما يشعر أن الدولة ضعيفة ولم تعد قادرة على حمايته. وهنا تكمن المأساة؛ فكلما ضعفت الدولة، تقوّت الطائفة؛ وكلما تقوّت الطائفة، ضعفت الدولة. فتدخل البلاد في حلقة مفرغة لا تنتهي؛ كما هي اليوم.
وخلال سنوات الانهيار الاقتصادي، اكتشف اللبنانيون حقيقة مؤلمة: الأزمة لم تميّز بين طائفة وأخرى، كما أن انهيار العملة وفقدان المدخرات وانقطاع الخدمات أصاب جميع الانتماءات بالقدر نفسه. وكأن الواقع كان يكرر درساً بسيطاً تجاهله اللبنانيون طويلاً: "عندما تضعف الدولة، لا تسأل الأزمات عن هوية ضحاياها".
الطائفة ليست المشكلة
لكن الإنصاف يقتضي القول إن المشكلة ليست في وجود الطوائف؛ فالطائفة، مثل الدين والعائلة والثقافة، تشكل جزءاً من ذاكرة الإنسان وهويته الروحية والاجتماعية؛ وهي قادرة على أن تكون مساحة غنى وتنوع وتكافل. المشكلة تبدأ عندما تتحول من إطار ثقافي وروحي إلى مرجعية سياسية أعلى من الوطن؛ وعندما يصبح الولاء للجماعة مقدماً على الولاء للصالح العام؛ وعندما يصبح الانتماء سبباً للتمييز لا للتنوع.
المواطنة لا تلغي الاختلاف
إن الدعوة إلى المواطنة لا تعني إلغاء الخصوصيات الدينية أو الثقافية، بل على العكس، فالمواطنة الحقيقية هي التي تحمي حق الإنسان في أن يكون مختلفاً دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى امتياز أو حرمان.
الوطن القوي ليس ذلك الذي يجعل الجميع متشابهين، بل ذلك الذي يجعل المختلفين قادرين على العيش معاً تحت سقف واحد من الحقوق والواجبات.
إن المواطنة لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن هويته الانتمائية؛ إنها فقط تمنعه من تحويل هذه الهوية إلى جدار يفصله عن الآخرين.
ولعل واحدة من أجمل لحظات المواطنة في لبنان ظهرت في أعقاب انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020. ففي الساعات والأيام الأولى التي تلت الكارثة، لم يسأل آلاف المتطوعين الذين نزلوا إلى الشوارع عن دين المتضررين أو طوائفهم أو انتماءاتهم السياسية. لم يسأل أحد إن كان البيت المدمّر لمسيحي أو مسلم، ولا إن كانت العائلة المنكوبة تنتمي إلى هذه الطائفة أو تلك. كان الجميع يرون في الضحية إنساناً لبنانياً قبل أي شيء آخر.
في تلك اللحظة، بدا وكأن المواطنة استعادت مكانها الطبيعي. اختفت الحدود الوهمية بين الأحياء والطوائف، وحضرت هوية واحدة تجمع الجميع: هوية الإنسان الذي يساعد إنساناً آخر، وهوية المواطن الذي يشعر أن ألم جزء من وطنه هو ألم الوطن كله.
من الإنسان إلى المواطن
إذا كانت العقيدة قد وُجدت لخدمة الإنسان، وإذا كانت القوانين قد وُجدت لضبط السلوك عندما تعجز الأخلاق، فإن المواطنة وُجدت لكي تسمح للناس المختلفين بأن يعيشوا معاً دون أن يلغي أحدهم الآخر؛ فالإنسان لا يصبح أقل إيماناً عندما يكون مواطناً، ولا يصبح أقل انتماءً لعائلته أو طائفته عندما يضع وطنه أولاً؛ بل يصبح أكثر قدرة على رؤية الآخر شريكاً لا خصما، وأكثر قدرة على بناء دولة تتسع للجميع.
وقبل الانتقال إلى الخاتمة، لا بد من التأكيد أن هذا المقال لا يدعو إلى إلغاء الانتماءات أو الخصوصيات الثقافية والدينية والاجتماعية التي تشكل جزءاً من هوية الأفراد والجماعات، كما أنه لا ينحاز إلى شكل دستوري أو إداري محدد للدولة. فالتاريخ أثبت أن المجتمعات المتنوعة قد تختار صيغاً مختلفة لتنظيم شؤونها، وقد تحتاج أحياناً إلى مساحات من الإدارة الذاتية أو اللامركزية أو غيرها من النماذج التي تضمن احترام خصوصيات مكوناتها.
لكن ما يهم هنا ليس شكل النظام بقدر ما هو الروح التي تحكمه. فقد تتعدد الانتماءات، وتتسع مساحات الخصوصية، وتتوزع الصلاحيات بطرق مختلفة، إلا أن ذلك كله يفقد معناه إذا غابت المواطنة الجامعة. فالتنوع لا يصبح قوة إلا عندما يجتمع تحت سقف وطن واحد، والخصوصية لا تصبح حقاً مشروعاً إلا عندما تقترن بالالتزام بالمصلحة العامة.
إن التحدي الحقيقي ليس في إيجاد نظام يلغي الاختلاف، بل في بناء وطن يجعل من هذا الاختلاف مصدر غنى لا سبباً للانقسام. ولذلك، مهما تعددت الانتماءات، ومهما اختلفت الصيغ السياسية والإدارية، تبقى المواطنة هي الرابط الأعلى الذي يوحّد الجميع، ويبقى الوطن هو المساحة المشتركة التي يلتقي فيها المختلفون على قدم المساواة.
"فقد تتعدد الانتماءات، لكن لا ينبغي أن تتعدد الأوطان؛ وقد تتنوع الهويات، لكن لا ينبغي أن تتعدد المواطنة."
الخاتمة
يُقاس نضج الأمم بقدرتها على الانتقال من منطق الجماعة إلى منطق الوطن؛
فالطائفة تمنح الإنسان الانتماء، لكنها لا تمنحه وطناً؛
والعائلة تمنحه جذوراً، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع مستقبلاً مشتركاً؛
أما المواطنة، فهي المساحة التي يلتقي فيها المختلفون ليصبحوا شعباً واحداً.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبدأ اللبنانيين بطرحه اليوم ليس:
"إلى أي طائفة ننتمي؟" بل "أي وطن نريد أن نتركه لأبنائنا؟"
الأوطان لا تُبنى عندما ينتصر جزء من المجتمع على جزء آخر، ولا عندما تتفوق جماعة على جماعة، بل عندما يكتشف الجميع أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم؛ فالزلزال لا يفرّق بين الطوائف، والانفجار لا يميّز بين المذاهب، والأزمات لا تقرأ الهويات؛ وكذلك يجب أن يكون الوطن.
وعندما يصبح المواطن قيمة أعلى من الانتماء، والوطن مساحة أوسع من الطائفة، تبدأ الدولة باستعادة نفسها، ويبدأ المجتمع باستعادة إنسانيته.
ولعل الإنسانية التي سعينا إليها في المقال الأول، والأخلاق التي دافعنا عنها في المقال الثاني، لا تجد ترجمتها العملية الكاملة إلا في مواطنة عادلة تجعل جميع أبناء الوطن متساوين في الكرامة والحقوق والمسؤوليات.
وهكذا بدأت تكتمل الحلقة:
فالإنسان قبل العقيدة.
والأخلاق قبل القوانين.
والمواطنة قبل الطائفة.
لأن الإنسان ليس مجرد غاية بين غايات، بل هو المعيار الذي تُقاس به الغايات كلها. فحين يغيب عن مركز الفكرة، تفقد العقائد حكمتها، والقوانين عدالتها، والأوطان روحها؛ وحين يعود إليها، تستعيد الأشياء كلها معناها.